قيل له: لو جاز هذا لجاز أن يكون قولنا عالم لم يرجع به إلى نفسه ولا إلى معنى ولم يثبت به نفسه ولا معنى يستحيل أن يكون هو نفسه وإذا لم يجز هذا بطل ما قالوه .
وهذا الدليل يدل على إثبات صفات الله تعالى لذاته كلها من الحياة والقدرة والسمع والبصر وسائر صفات الذات .
الباب الثاني
باب الكلام في القرآن والإرادة
[ الله تعالى لم يزل متكلمًا وكلام الله غير مخلوق ]
إن قال قائل: لم قلتم أن الله تعالى لم يزل متكلمًا ، وأن كلام الله تعالى غير مخلوق ؟
قيل له: قلنا ذلك لأن الله تعالى قال: (( إنما قولنا لشيءٍ إذا أردنه أن نقول له كن فيكون(40) )) [ النحل: 40 ] ، فلو كان القرآن مخلوقًا لكان الله تعالى قائلًا له: كن ، والقرآن قوله ويستحيل أن يكون قوله مقولًا له ، لأن هذا يوجب قولًا ثانيًا ، والقول في القول الثاني وفي تعلقه بقول ثالث كالقول في القول الأول وتعلقه بقول ثانٍ وهذا يقتضي مالا نهاية له من الأقوال ، وذلك فاسد وإذا فسد ذلك فسد أن يكون القرآن مخلوقًا .
ولو جاز أن يقول لقوله لجاز أن يريد إرادته وذلك فاسد عندنا وعندهم إذا بطل هذا استحال أن يكون مخلوقًا .
فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون معنى قوله تعالى: (( أن نقول له كن فيكون(40) )) [ النحل: 40 ] أي نكونه فيكون من غير أن نقول له في الحقسيقة ( ولا أن تقول له في الحقيقة ) شيئًا . قيل له: قال الله تعالى: (( إنما قولنا لشيءٍ إذا أردنه أن نقول له كن فيكون(40) )) [ النحل: 40 ] .
فلو جاز لقائل أن يقول: لم يكن الله تعالى قائلًا لشيء في الحقيقة كن وإنما المعنى أن يكونه فيكون ، لجاز لزاعم أن يزعم أن الله تعالى لا يريد شيئًا في الحقيقة وإنما معنى أردناه فعلناه من غير أن يكون إرادة في الحقيقة على وجه من الوجوه .
فإن قال قائل: إنه يكون معنى أن الله تعالى أراد الشيء أنه فعله وهو مريد له في الحقيقة بمعنى أنه فاعل له .