فإن قال قائل: لم قلتم أن الله تعالى عالم ؟ قيل له: لأن الأفعال المحكمة لا تتسق في الحكمة إلا من عالم وذلك أنه لا يجوز أن يحوك الديباج بالنقاوير ويصنع دقائق الصناعة من لا يحسن ذلك ولا يعلمه .
فلما رأينا الإنسان على ما فيه من اتساق الحكمة كالحياة التي ركبها الله فيه والسمع والبصر ومجاري الطعام والشراب وانقسامه فيه وما هو عليه من كماله وتمامه والفلك وما فيه من شمسه وقمره وكواكبه ومجاريها ، دل ذلك على أن الذي صنع ما ذكرناه لم يكن يصنعه إلا وهو عالم بكيفيته وكنهه .
ولو جاز أن تحدث الصنائع الحكمية لا من عالم لم ندر لعل جميع ما يحدث من حكم الحيوان وتدابيرهم وصنائعهم يحدث منهم وهم غير عالمين ، فلما استحال ذلك دل على أن الصنائع المحكمة لا تحدث إلا من عالم .
كذلك لا يجوز أن تحدث الصنائع إلا عمن قادر حي لأنه لو جاز حدوثها ممن ليس بقادر ولا حي لم ندر لعل سائر ما يظهر من الناس يظهر منهم وهم عجزة موتى ، فلما استحال ذلك دلت الصنائع على أن الله تعالى حي قادر .
مسألة
[ إن الله سميع بصير ]
فإن قال قائل: لم قلتم أن الله سميع بصير ؟ قيل له: لأن الحي إذا لم يكن موصوفًا بآفة تمنعه من إدراك المسموعات والمبصرات إذا وجدت فهو سميع بصير .
فلما كان الله تعالى حيًا لا يجوز عليه الآفات من الصمم والعمى وغير ذلك إذا كانت الآفات تدل على حدوث من جازت عليه صح أنه سميع بصير .
مسألة
[ الله لم يزل عالمًا ]
فإن قال أتقولون إن الله تعالى لم يزل عالمًا قادرًا سميعًا بصيرًا . قيل له: كذلك نقول .
فإن قال: فما الدليل على ذلك ؟ قيل له: الدليل على ذلك أن الحي إذا لم يكن عالمًا كان موصوفًا بضد العلم ، من الجهل ، أو الشك ، أو الآفات .