وأَرَى مُنَاقَشَة هذا الدليل: بأنّا لا نُسَلِّم لكم أنّ الحديث دالّ على حرمة بَيْع العِينة لأنّها أحد أسباب نزول البلاء والذُّلّ ، وإنّما السبب الحقيقيّ لِذلك هو آخِر الأصناف الأربعة ، وهو: تَرْك الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام ، الذي إنْ تَرَكْنَاه حَلّ البلاء والذُّلّ والمهانة ، ولِذا كان تَرْكه حرامًا ، وأمَّا الأصناف الثلاثة الأُولى ـ وهي: بَيْع العِينة ، والأخذ بأذناب البقر ، والرضا بالزرع ـ فما هي إلا إحدى نبوءات النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لِمَا سيَكون عليه حال أُمّته في آخِر الزمان ، وليس تحريمًا لها .
واليوم في عَصْرنا الحاضر قَدْ تَحَقَّقَتْ هذه الأصناف الأربعة ، فحَلّ الذُّلّ بالأُمَّة بتَرْكهم الجهاد ، أمَّا الأصناف الثلاثة الأُولى فقد انْتَشَرَتْ بصورة لم يَسْبِقْ لها نظير ؛ فقَدْ رَأَيْنَا مَزارع لِلأبقار حتّى في أرْض الجزيرة العربية ، ومَزارع لِلفواكه والحبوب ،
(1) يُرَاجَع نَيْل الأوطار 5/206 - 208
وابتاع الناس وتَعامَلوا بالعِينة ، وشاع ذلك في مجتمَعاتنا الإسلامية فلو حَرَّمْنَا بَيْع العِينة بمُقْتَضَى هذا النَّصّ لَكان مِن باب أَوْلى تحريم إنشاء أو إقامة مَزارع البقر وزراعة المحاصيل الزراعية حبوبًا وخضارًا وفاكهةً ، وهذا ما لم يَقُلْ به أحد ، فدَلّ ذلك على جواز بَيْع العِينة .