وهذا يَرْجِع ـ فيما أَرَى ـ إلى العِبْرَة في الحِيَل: هلْ هي المَقاصد أو المآلات ؟
والحنفية يَعتبرون قَصْد المحتال ؛ فإذا لم يَقْصِدْ إبطال الحُكْم فليست باطلةً حتّى وإنْ آلت إلى إبطال حُكْم أو إسقاط واجب .
والراجح عندي: ما عليه الجمهور ؛ لأنّنا لو رَبَطْنَا حُكْم الحِيَل بالمَقاصد لأَبْطَلْنَا كثيرًا مِن الأحكام وأَسْقَطْنَا كثيرًا مِن الواجبات بحُجَّة عدم القصد ، والأَوْلى رَبْطها بمآلات الأفعال ؛ فإنْ آلت إلى مُحَرَّم كانت مُحَرَّمةً وباطلةً ، ولا عِبْرَة بقصد المحتال .
القِسْم الثاني: حِيَل محمودة:
وهي التي تُوصل إلى كُلّ فِعْل مباح ، واجبًا كان أم مندوبًا أم مباحًا .
مثالها: الحيلة على هزيمة الكفّار كما فَعَل نُعَيّم بن مسعود - رضي الله عنه - (1) يَوْم الخندق .
(1) نُعَيم بن مسعود: هو الصّحابيّ الجليل أبو سلمة نُعَيم بن مسعود بن عامر الغطفاني الأشجعي - رضي الله عنه - ، أَسْلَم في وقعة الخندق ، وأَوْقَع الخلاف بيْن اليهود والمشرِكين فتَنازَعوا ورحلوا عن المدينة ..
تُوُفِّي - رضي الله عنه - في خلافة عثمان رضي الله عنهما ، وقيل: في وقعة الجمل .
أسد الغابة 5/33 والإصابة 3/568
وكذلك: حيلة محمد بن مسلمة - رضي الله عنه - (1) في قَتْل كَعْب
ابن الأشرف (2) (3) .
ومنها: فَتْوَى الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - فيمَن حَلَف لا يأكل مِن هذا الخبز فأَكَله بَعْدما تَفَتَّت لا يَحْنُث ؛ لأنّه لا يُسَمَّى"خبزًا"، وفي حيلة أكْله يَدُقّه فيلقيه في عصيدة ويُطْبَخ حتّى يصير الخبز هالكًا (4) .
حُكْمها: وهذه الحِيَل جائزة وحلال ولا إثْم في فِعْلها ، وقَدْ يثاب على ذلك .
ودليل جواز هذه الحِيَل: قوْله تَبارَك وتعالى { إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَنِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا } (5) .