2-أنّ أدلّة المذهب الثاني التي انْفَرَد بها ابن حَزْم ـ رحمه الله تعالى ـ في عدم الأخذ بسَدّ الذّرائع وأنّها ليست حُجَّةً جاءت بعيدةً عن محلّ الاستدلال وغَيْر مباشرة .
وإنّي لأَعْجَب كيْف يطالِبنا ابن حَزْم ـ رحمه الله تعالى ـ بنَصّ أو إجماع على حُجِّيَّة سَدّ الذّرائع ـ ولِذا فإنّه لم يَعْتَرِفْ بأدلّة الجمهور وعارَضها ـ ثُمّ يأتي بأدلّة ليس فيها نَصّ ولا إجماع يشير مِن قريب أو بعيد إلى عدم حُجِّيَّة سَدّ الذّرائع !
3-أنّ أدلّة المذهب الأول قَدْ سَلِمَتْ جميعها مِن المُنَاقَشَة
(1) يُرَاجَع البحر المحيط 6/85
والاعتراض ، ولم تَسْلَمْ أدلّة المذهب الثاني مِن ذلك .
4-ومِمَّا تَقَدَّم يَكون الراجح عندي: ما عليه الجمهور أصحاب المذهب الأول القائلون بأنّ الذّرائع حُجَّة وأنَّه يجب قَطْعها فيما يُوصل إلى الحرام .
5-أنّي أُرَجِّح عدم اعتبار سَدّ الذّرائع دليلًا مستقِلاًّ كما ذَهَب الشافعية والحنفية ؛ لأنّها تابعة في ذلك لِمقدِّمة المحظور والحرام ، فتُسَدّ وتُحَرَّم قياسًا على مقدِّمة الواجب ، حيث لم يَقُلْ أحد أنّها دليل .
6-كما أُرَجِّح وجوب سَدّ الذّرائع في كُلّ ذريعة تُفْضِي إلى الحرام قَطْعًا ، أمَّا إذا لم تَكُنْ كذلك فيَخْتَلِف حُكْم كُلّ حالة بحسب نسبة إفضائها إلى الحرام: فإنْ غلب الظَّنّ على أنّها تُوصل إلى الحرام كان سَدّها وقَطْعها هو الأَوْلى ، وإنْ غلب الظَّنّ على أنّها لا تُوصل إلى الحرام كان عدم قَطْعها وسَدّها هو الأَوْلى .
7-كما أُرَجِّح ـ أيضًا ـ عدم التوسع في سَدّ الذّرائع ؛ حتّى لا نُضَيِّق واسعًا ولا نُغْلِق أبوابًا كثيرةً مِن الحلال .
وفي ذلك يقول أبو زهرة رحمه الله تعالى:"وإنّ الأخذ بالذّرائع لا تَصِحّ المبالَغة فيه ؛ فإنّ المُغْرِق فيه قَدْ يَمْتَنِع عن أمْر مباح أو مندوب أو واجب خشيةَ الوقوع في ظُلْم: كامتناع بعض"