الوجه الأول: أنّ سَدّ الذّرائع لا يَترتب عليها تحريم أيّ مباح حتّى يَكون المباح محظورًا ، وإنّما تحريم المباح المُوصل إلى الحرام قَطْعًا أو غالبًا .
الوجه الثاني: أنّ المُحَال هو اجتماع الإباحة والتحريم في وقْت واحد ، وهو غَيْر مُتَحَقِّق في سَدّ الذّرائع ؛ لأنّ تحريم الوسيلة لم يَصْدُرْ وقْت الإباحة ، وإنّما في حالة توصلها إلى الحرام قَطْعًا أو غالبًا ، فكأنّها إباحة مُقَيَّدة بعدم التوصل إلى الحرام .
الدليل الرابع: أنّ الشريعة كما حَسَمَت المَضَارّ أَثْبَتَتْ جواز التوصل إلى الأغراض وإسقاط العقوبات بالشبهات ، ولم تَحْمِلْنَا على القتل لِمَن قَتَل بالعصا الصغيرة إذا قامت بقتله بَيِّنَة هي شاهِد وامرأتان ، وغَيْر ذلك مِن الأسباب التي تُسْقِط الاستيفاء ، ولو كان القصدُ الاحتياطَ لَمَا بَنَاه الشَّرْع على الدرء والإسقاط ؛ لأنّهما ضدّان وحيث إنّ الذريعة مبنيّة على الاحتياط وهو غَيْر مُعْتَبَر فدَلّ ذلك على أنّها غَيْر مُعْتبَرَة شرعًا (1) .
مُنَاقَشَة هذا الدليل:
وهذا الدليل مردود عندي: بأنّ الذريعة المُتَيَقَّن توصلها إلى
(1) الواضح 2/76 بتصرف .
الحرام أَخَذَتْ حُكْمه ، ولِذا يُصْبِح تَرْكها واجبًا وليس احتياطًا ، وتَرْك الذريعة يَكون احتياطًا إنْ كان توصلها إلى الحرام ليس غالبًا وهذه عَدّها البعض (1) غُلُوًّا في سَدّ الذّرائع .
تعقيب وترجيح:
بَعْد الوقوف على أدلّة مذاهب الأصوليّين في حُجِّيَّة سَدّ الذّرائع أَرَى أنَّه يُمْكِن التوصل إلى ما يلي:
1-أنّ أدلّة المذهب الأول القائل بحُجِّيَّة سَدّ الذّرائع جاءت صريحةً ومباشِرةً في تحريم الوسائل التي تُفْضِي إلى الحرام: كالنهي عن سَبّ آلهة المُشْرِكين منعًا لِسَبّ الذّات العليّة .