لم يفرِّق الزّمخشريّ ـ في مواقفه من القراءات القرآنيّة ـ بين المتواترة منها وغيرها، في هجومه عليها، والطعن في قرائها، وإنْ تحقّقت فيها شروط التواتر، من: موافقتها لرسم المصحف العثمانيّ ولو احتمالًا، وصحة سندها، وموافقتها لوجه من وجوه العربيّة. ممَّا يظهر تأثّره بسلطان القياس الذي سار عليه بعض مَنْ سبقوه، مثل: أبي علي الفارسي، ومكي بن أبي طالب حموش القيسيّ، وغيرهم مِمَنْ أبت أنفسهم إلاَّ أنْ يوجّهوا القراءات القرآنيّة بمقاييس النّحاة الذين اتخذوا من الشواهد الشعريّة أساسًا لقواعدهم النَّحويّة، دون أنْ يوجّهوا هذه الأشعار على أساس القراءات القرآنيّة. ويظهر هذا الموقف في قول مكي ابن أبي طالب القيسيّ عندما ذكر قراءة حمزة: { وَالأَرْحَامَ } [النّساء: 1] [1] ، فذكر أنّ العطف على الجرّ قبيح قليل في الاستعمال، بعيد في القياس [2] .
ومن عجب أنْ يقف مكي هذا الموقف، ولا يدافع عن حمزة، مع أنّه وصفه بأنَّ إمامته ظاهرة وثيقة، وسنده مستقيم!! [3]
(1) من قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا }
[النّساء: 1] .
(2) أبو طالب، مكي بن حموش القيسي: الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحُججها، تحقيق
د. محي الدين رمضان، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، 1984م، 1/375.
(3) مكي بن أبى طالب: التبصرة، مصورة بدار الكتب. نقلًا عن: أبي علي الفارسيّ، للدكتور عبد الفتاح شلبي، ص 390.