فممَّا يوضح قول الزّمخشريّ ـ الذي ذكرناه آنفًا ـ ما ذكره في قراءة ابن عامر في قوله:"وأمَّا قراءة ابن عامر لقوله تعالى { قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ } [الأنعام: 137] : (قتلُ أولادَهم شركائهم) برفع القتل، ونصب الأولاد، وجرِّ الشركاء على إضافة القتل إلى الشركاء، والفصل بينهما بغير الظرف، فشيء لو كان في مكان الضرورات ـ وهو الشعر ـ لكان سمجًا مردودًا، كما سُمج ورُدّ في:"
* زجَّ القلوص أبي مزادة *...،
فكيف به في القرآن المعجز بحسن لفظه وجزالته؟! والذي حمله على ذلك أنّه رأى في بعض المصاحف (شركائهم) مكتوبًا بالياء. ولو قرأ بجرّ الأولاد، ورفع الشركاء، لأنَّ الأولاد شركاؤهم في أموالهم، لوجد في ذلك مندوحة" [1] ."
فأوّل ما اتضح لنا في هذا الأمر أنَّ الزّمخشريّ له سلف فيما ذهب إليه في ردّه للقراءة متأثرًا بسلطان القياس الذي يمنع الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف، وهو الفرّاء القائل:"هذا باطل، ونحويو أهل المدينة ينشدون:"
* زج القلوص أبي مزادة [2]
وكذلك اتّبع هدى الفرّاء في تشكيكه في قراءة سبعيّة، ويقول: إنّه لايعرفها:"وفي مصاحف أهل الشام (شركائهم) بالياء، فإنْ تكن مثبتة عند الأولين، فينبغي أنْ يقرأ: (زُيِّن) ، أيّ بالبناء للمفعول، ويكون الشركاء هم الأولاد، لأنّهم منهم في النسب، فإنْ كانوا يقرؤون: (زيّن) أيّ بالبناء للفاعل قلتُ: لا أعرف جهتها" [3] .
(1) الزمخشري، محمود بن عمر: الكشّاف، رتبه وصححه محمد عبد السلام شاهين، دار الكتب العلميّة، بيروت، ط/1، 1995م، 2/67.
(2) الفرّاء، أبو زكريا يحي بن زياد: معاني القرآن، عالم الكتب، بيروت، ط/3، 1983م، 1/165.
(3) المرجع السابق، ص 257.