ويبدو أنَّه ذهب لذلك، لأنَّه وجد بعض القراءات القرآنيّة تخرج أو يطعن فيها على أساس القواعد النَّحويّة، التي غالبًا ما يدعمها النّحاة بأبيات شعريّة. فخير الردِّ ما كان من أهله فنجد أحد المستشرقين"يوهان فك":"يرد على هؤلاء ويحفظ للقرآن مكانته، وللقراءة القرآنيّة عظمتها وسموها على غيرها من النّصوص، فيرى أنَّ القرآن أقدم النّصوص النّثريّة الموثقّة التي حافظت على التّصريف الإعرابيّ، وأنَّ مواقع الكلام فيه لا تترك شيئًا في تراكيبه، مستدلًا بقوله تعالى { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } [فاطر: 28] ، ففيه التقديم والتأخير من خلال الحركات الإعرابيّة، وهذه خاصية لم تتضح إلاَّ في لغة لم يزل الإعراب فيها حَيًّا" [1] .
فإذ نأى هذا المستشرق بنفسه أنْ يطعن أو يشكّك في القراءات القرآنيّة، فأين الفرّاء والزّمخشريّ من هذه الروح؟! إذ ذهبا يشكّكان ويطعنان في القراءات القرآنيّة ـ كقراءة ابن عامر وحمزة كما بيّنا في ثنايا هذا البحث ـ.
وقال ابن جنّي في باب:"ما يرد عن العربي مخالفًا لِمَا عليه الجمهور":"إذا اتفق شيء من ذلك نُظِر في حال ذلك العربي، وفيما جاء به. فإنْ كان الإنسان فصيحًا فيما عدا ذلك القدر الذي انفرد به، وكان ما أورده مِمَّا يقبله القياس، إلاَّ أنَّه لم يرد به استعمال، إلاَّ من جهة ذلك الإنسان، فإنَّ الأوْلَى في ذلك أنْ يحسن الظنّ به، ولا يُحمل على فساده" [2] .
(1) يوهان فك: دراسات في اللُّغة والأساليب، ترجمة د. عبد الحليم النجار، مكتبة الخانجي بمصر، مطبعة دار الكتاب العربي، القاهرة، 1370هـ، 1951م، ص 3-4، نقلًا عن: مرتضى فرح وداعة: القياس والسماع في النَّحو العربي، رسالة ماجستير، جامعة النيلين.
(2) الخصائص، مرجع سابق، 1/385.