الصفحة 41 من 44

أليس في هذا وما ذكر قبله ردّ على الزّمخشريّ في هجومه على القراءات القرآنيّة معتمدًا على قياس النّحاة، دون أنْ يجعل القراءة أساسًا لبناء القاعدة، وإنْ كان عمل القرّاء أعدل وأضبط، كما ذهب إليه ابن الحاجب. وليس قبول القراءة وقفًا على موافقتها لوجه من وجوه العربيّة، فقد توافق وجهًا من وجوهها، ولا يعني ذلك قبولها، ألا ترى أنَّ يحيى بن يعمر لحّن الحجاج بن يوسف حين قرأ: { قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ } [التوبة: 24] . برفع (أحبّ) فلحنه، فليس من جهة الإعراب، وإنَّما هو لمخالفة القرّاء النقلة. قال أبو حيَان:"وقرأ الحجّاج بن يوسف (أحبُّ) ، بالرفع، فخطّأه يحيى بن يعمر من حيث الرواية، لأنَّه لم يَردْ إلاَّ النّصب، وإنْ كان الرفع جائزًا من جهة العربيّة، لأنَّه كان يكون في (كان) ضمير الأمر والشأن وهو اسمها، و (آباؤكم) وما عطف عليه مبتدأ، و (أحبّ) خبر، والجملة في موضع نصب على أنَّها خبر كان) [1] ."

وقياس هؤلاء المتأخرين قياس منطقيّ، لا يكتفي بوصف الظاهرة اللُّغويّة دون اللّجوء إلى تعليل، بخلاف القياس عند النّحاة الأوائل،"فالقياس عند النّحاة الأوائل قياس فطريّ لا منطقيّ" [2] .

(1) أبو حيان الأندلسي: تفسير النهر الماد، تقديم وضبط بوزان الضّناوى وهديان الضّناوى، دار الجنان، بيروت، ط/1، 1987م، 1/957.

(2) عثمان الفكي: الاستشهاد في النَّحو العربي، مرجع سابق، ص 124.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت