ويقول عمر فرح:"وفي القرآن الكريم قراءات وردت فيه، لأنَّها من لغات العرب الصحيحة، وكلّها مقبولة في القرآن الكريم، ونحن لانتعرّض هنا فيما يتعلّق بهذه القراءات للمَدْرك الدينيّ وللمَدْرك اللُّغويّ في سبب ورودها، ما دام الإجماع واقعًا في المدركين معًا، عند رجال الدين وعند رجال اللُّغة، على أنَّها لغات عربيّة لا شكّ في ذلك، غير أنَّ هذه القراءات ليست على علوِّ واحد في طبقاتها، فإنَّ منها المتواتر، وإنَّ منها الشاذ، والله تعالى قد خاطب العرب بهذه اللُّغات كلّها، لأنَّها كانت معروفة في الجاهلية، ولا ريب في أنَّ القراءات المتواترة تمثّل كلمات كانت أوسع انتشارًا في القبائل من الكلمات التي تمثلها القراءات الشاذة" [1] .
فأشار عمر في قوله هذا إلى أنَّ كلّ ما نزل مِمَّا خاطب الله تعالى به العرب، وأنَّ كلّ ما ورد من لغاتهم متواترًا أو شاذًا.
أمَّا ترجيحه لبعض القراءات على بعض وإنْ خفي مراده من تضعيفها ـ كما أوردنا ذلك في حديثه عن إعمال إنْ المخففة من الثقيلة ـ، فإنَّ القياس لا يردّ الأخرى، وهذا ما ذهب إليه ابن جنِّي في قوله في:"باب اختلاف اللُّغات وكلّها حُجَّة: اعلم أنَّ سعة القياس تتيح لهم ذلك ولا تحظره عليهم، ألا ترى أنَّ لغة التميميين في ترك إعمال (ما) يقبلها القياس، ولغة الحجازيين في إعمالها كذلك، لأنَّ لكلّ واحد من القومين ضربًا من القياس، يؤخذ به ويخلد إلى مثله، وليس لك أنْ تردّ إحدى اللُّغتين بصاحبتها، لأنَّها ليست أحقّ بذلك من رسيلتها... فأمَّا أنْ تردّ إحداهما بالأخرى فلا، أوَلا ترى إلى قول النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -: (نزل القرآن بسبع لغات، كلّها كاف وشاف) [2] ."
(1) عمر فرح: عبقريّة اللُّغة العربيّة، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، 1981م، ص 113.
(2) الخصائص، مرجع سابق، 2/10.