وإذا لم يتبع الزّمخشريّ هدي إمامي المدرسة البصريّة ـ الخليل وسيبويه كما ذكرنا ـ؛ في عدم طعنهما في القراءات، ولا بالتّعرُّض لقرائها بشيء ولا سيما المتواتر منها؛ بل اتبع منهج الفرّاء الذي هاجم القراءات؛ وهذا يجعلني أميل لقول شوقي ضيف، حين عدّه من البغداديين، في كتابه:"المدارس النَّحويّة" [1] .
فإذا أردنا أنْ نقوّم موقفه هذا، فإنّني أرى أنَّ موقفه كموقف بعض المتأخرين القائلين بأنَّ ما جاء مجيء الآحاد لا يثبت به القرآن، وعلى زعمهم هذا جاء الردّ من أهل الاختصاص، فقال ابن الجزريّ ردًّا على هذه الشبهة:"فالقراءات العشرة متواترة جملة وتفصيلًا، وهو ما عليه أئمة القراءة والفقه والأصول" [2] .
بل ذكر السبكي أنَّ هذا لا يصحّ مِمَنْ يعتبر قوله في الدين:"والقول بأنَّ القراءات الثلاث غير متواترة في غاية السقوط، ولا يصح القول به مِمَنْ يعبر قوله في الدين" [3] .
وقال عبد الوهاب حمودة:"فلو ثبت التواتر لما احتجنا معه إلى الركنين الآخرين من الرسم وغيره، إذ لا بُدّ من قبول ما ثبت متواترًا عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ولو اشترطنا التواتر في ما اختلف فيه لانتهى كثير من أحرف الخلاف الثابت عن هؤلاء الأئمة وغيرهم" [4] .
هذا في الوقت الذي يشترط فيه الزّمخشريّ التواتر في القراءات يستشهد بأبيات لا يعرف قائلها. وفي هذا يقول السيوطيّ:"لا يجوز الاحتجاج بشعر"
(1) د. شوقي ضيف: المدارس النَّحويّة، دار المعارف، القاهرة، ط/2، (د. ت) ، ص 470. وانظر: معاني القرآن، للفرّاء، 2/86.
(2) ابن الجزريّ: النشر في القراءات العشر، 1/،52 نقلًا عن: محمد أحمد مفلح: مقدمات في علم القراءات، دار عمار، عمان، الأردن، ط/1، 2001م، ص 231.
(3) ابن الجزريّ: منجد المقرئين، ص 49. نقلًا عن: مقدمات في علم القراءات، ص 231.
(4) عبد الوهاب حمودة: القراءات واللهجات، القاهرة، 1986م، ص 170.