الأوّل: ما ذهب إليه عثمان الفكي ـ رحمه الله تعالى ـ حين قال:"ومن ثم لم يلجأ قط إلى تخطئة قراءة مهما كانت درجتها من الشذوذ، وهو في هذا يختلف عن بعض متأخري النّحاة الذين لا يبالون بتخطئة القرّاء" [1] .
أمَّا الرأي الثاني: فيمثله الدكتور/ أحمد مكي الأنصاري في كتابه:"سيبويه والقراءات"، فهو يقول في هذه القضية:"وأشهد أنَّ سيبويه كان في قمة الذكاء، وبخاصة حينما يريد إخفاء ما في نفسه حيال قراءة من القراءات التي يعارضها، ولكنّه لا يريد أنْ يتصدّى لها بالإنكار الصريح لسبب أو آخر، فكان يلف ويدور، وأخيرًا يضع القاعدة التي تَصْطَدِم بهذه القراءة وتردُّها ردًّا قاطعًا، دون أنْ يذكر القراءة نفسها.. ومن هنا خفيت مقاصده على كثير من الباحثين، فقالوا: إنَّ سيبويه لم يخطئ القراءات القرآنيّة" [2] .
وخير دليل وأقوى شاهد على دحض هذه الشبهة التي نسبها مكي الأنصاري لسيبويه إحصاء قام به محمد إبراهيم عبادة للشواهد القرآنيّة في الكتاب، ليقف على منزلتها من الشواهد الأخرى؛ وكانت نتيجة الإحصاء كالآتي:
أوّلًا: عدد المسائل التي ورد فيها الاستشهاد بالقرآن الكريم (189) مسألة.
ثانيًا: اعتمد سيبويه على الاستشهاد بالقرآن الكريم في (138) مسألة، دون أنْ يسوق معها شعرًا.
ثالثًا: أورد سيبويه الآيات القرآنيّة قبل الشواهد الشعرية في (35) مسألة، وأورد الشعر سابقًا على الآيات القرآنيّة في (16) مسألة.
رابعًا: جرت عادة سيبويه أنْ يبدأ بذكر أمثلة توضيحيّة، إمَّا من أقوال العرب، وإمَّا من أمثلة يصنعها. وقد خالف هذه العادة فبدأ بالقرآن الكريم مباشرة دون ذكر أمثلة توضيحيّة في (42) مسألة.
(1) عثمان الفكي: الاستشهاد في النَّحو العربي، رسالة ماجستير، كلية دار العلوم، القاهرة، 1969م،
ص 154.
(2) أحمد مكي الأنصاري: سيبويه والقراءات ، دار المعارف، مصر، 1392هـ، 1972م، ص 239.