وضعّف ابن جنِّى القراءة، وكأنَّه يريد أنَّه مِمَّا يتعلّق بضرورة الشعر، فلا يجوز ارتكابها في القرآن، لذلك قال:"والشعر أوْلَى بجوازه من القرآن" [1] .
وقرأ العشرة إلاَّ أبا جعفر: (إن كانت إلاَّ صيحة) [2] ، وحسَّن الزجاجيّ تأنيث الفعل إذا قلت: جاء اليومَ امرأة، من أنْ تقول: جاء المرأة [3] ، أي عند الفصل.
وقال ابن هشام:"وإذا فصل بين الفعل والفاعل المؤنث بـ (إلاَّ) فالأكثر في الفعل التذكير، والتأنيث خاص بالشعر، وجوزه ابن مالك في النثر، وقرئ (إن كانت إلاَّ صيحةٌ) [4] ."
فأيّ قياس واستعمال يقصده الزّمخشريّ؟! فإنَّ قياس النّحاة بني على استقراء ناقص، كما في قول أبي العلاء:"وما انتهى إليكم مِمَّا قالت العرب إلاَّ أقلّه، ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علمُ وشعر كثير" [5] .
وكان عليه أنْ يبني القاعدة على النصوص القرآنيّة، دون أنْ يوجّه القراءة على قواعد النّحاة.
فإذا تدبّرنا مواقف الزّمخشريّ تجاه الآيات القرآنيّة، وتخريجها على قواعد النّحاة، وأردنا أنْ نجد تفسيرًا لها، وخاصة هجومه على المتواتر منها ـ كما فعل إزاء قراءتيْ ابن عامر وحمزة ـ، فإنَّنا نجد أنَّ الزّمخشريّ خالف في هذا أئمة البصريين، الذي كثيرًا مانطالع انتماءه لهم بقوله: أصحابنا، فالخليل وسيبويه كانا معتدلين في مواقفهما تجاه القراءات القرآنيّة، وإنْ اختلفت آراء بعض المحدثين إزاء مواقف سيبويه منها.
ويمكن أنْ نورد هذا الاختلاف في رأيين:
(1) المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات، لابن جني، دراسة وتحقيق محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، ط/1، 1419هـ، 1998م، 2/266.
(2) البحر المحيط، مرجع سابق، 8/14.
(3) الجمل في النَّحو، مرجع سابق، ص 293.
(4) ابن هشام، أبو محمد جمال الدين بن يوسف: أوضح المسالك، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد،
دار الجيل، (د. ط، ت) ، 2/22.
(5) الخصائص، مرجع سابق، 1/368.