الصفحة 31 من 44

وهذا ما ذهب إليه الفرّاء في قوله تعالى { وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا } [الفرقان: 67] ، وأجاز أنْ يكون (بين ذلك) و (غير) اسم كان على أنّه مبنى لإضافته إلى غير متمكن، كقوله: البيت، وهو من جهة الإعراب لابأس به، ولكن المعنى ليس بقوى، لأنَّ ما بين الإسراف والتقتير قوام لا محالة، فليس في الخبر الذي هو معتمد الفائدة فائدته [1] .

ويبدو أنَّه يرجّح جواز الوجه الآخر فيما ذهب إليه ابن السّرّاج عند ذكره لقوله تعالى { إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ } [الذاريات: 23] [2] .

والنَّحويون يقولون:"إنّما بناه يعني (مثل) ، لأنَّها كانت معربة قبل الإضافة، فترفع فنقول: مثلُ ما أنّكم، كما تقول في يومئذٍ من البناء والإعراب فتعربه كما كان قبل الإضافة، ويبنيه لِما أضافه إليه، من أجل أنّه غير متمكن، وأنَّ الأول كان مبهمًا فإنَّما حصر بالثاني... وكلّ المبهمات كذلك، ولا يدخل في هذا: ضربني غلام خمسة عشر رجلًا، لأنَّ الغلام مخصوص معلوم غير مبهم" [3] .

وذهب الكوفيون إلى البناء محتجّين بأنَّ (غير) قامت مقام (إلاّ) ، و (إلاّ) حرف استثناء، والأسماء إذا قامت مقام الحروف وجب أنْ تبنى، هذا بخلاف ما تضاف إليه من اسم متمكن، كقولك: ما نفعني غيرُ قيامك، أو غير متمكن... غير أنْ نطقت [4] .

وقد اختار ابن الناظم قول الكوفيين هذا عند قوله في المضاف إلى ياء المتكلم:"لا يقال: سبب بنائه إضافته إلى غير متمكن، لأنَّه مردود ببقاء إعراب المضاف إلى الكاف والهاء، وإعراب المثنى المضاف إلى الياء ) [5] ."

ومِمَّا سبق يتضح أنَّ في إعراب الآية وجوهًا:

أولًا: البناء لإضافتها إلى غير متمكن، وهو قول البصريين.

(1) الكشّاف، مرجع سابق، 3/285.

(2) الأصول، 1/276.

(3) الإنصاف، مرجع سابق، 1/87.

(4) المصدر السابق، 1/87.

(5) شرح ألفية ابن الناظم، مرجع سابق، ص 414.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت