فحمل ابن يعيش قوله:"فيبطل عملها، على معنى يبطل ظاهرًا، وتعمل في ضمير شأن" [1] ، فـ"كأنّ أصلها (أنّ) هذا ما ذكره سيبويه في باب: أنّ بعد إنشاده:"
*كأنْ وريديه رشاءُ خُلْبِ * [2]
"وهذه الكاف مضافة إلى (أنّ) ـ يريد الكاف من كأنّ ـ فلم اضطررت إلى التخفيف فلم تُضمِر"، يريد لم تضمر اسم كأنّ"ولم يغير أنْ تنصب بها، كما أنَك قد تحذف من الفعل ولا يتغيّر" [3] ، بمعنى أنّ التخفيف لا يبطل عمل (أنّ) ، كما أنّ الفعل إذا حذف منه بعض حروفه لا يتغيّر عمله، لأنّها عملت لمشابهتها الفعل.
وما ذكره الزّمخشريّ في مفصّلِه ـ ولم يصرّح به في هذا الموضع وإنْ أومأ إليه إيماءً خفيًا ـ هو مذهب الكوفيين القائلين بإنّ المخففة من الثقيلة لا تعمل النصب في الاسم، وذهب البصريون إلى أنّها تعمل. واحتجوا بأنْ قالوا: الدليل على صحة الإعمال قوله تعالى { وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ } [هود: 111] [4] .
في قراءة مَنْ قرأ بالتخفيف، وهي قراءة: نافع، وابن كثير، وشعبة، ولا يجوز أنْ يقال: إنّ (كلاّ) منصوب بـ (ليوفيَنّهم) ، لأنّا نقول: لا يجوز ذلك، لأنّ لام القَسَم تمنع ما بعدها أنْ يعمل فيه ما قبلها. والذي يدلُّ على صحة ذلك أيضًا أنّه قد صحّ عن العرب أنّهم يقولون: (إلاَّ إنْ أخاك ذاهبٌ) بمعنى (إنّ) المشددة [5] .
وهذا ما حكاه سيبويه عن العرب:"وحدّثنا مَنْ يوثق به أنَه سمع مَنْ يقول: إنْ عمرًا لمنطلقٌ، وعليه قراءة نافع وابن كثير وأبي بكر شعبة: (وإنْ كلًا لما ليوفينهم ربُّك أعمالهم) [6] ."
(1) شرح المفصل، 8/82.
(2) في الكتاب، طبعة بولاق، 1/480.
(3) الكتاب، 1/480.
(4) ذكر ابن هشام في شرح قطر النّدى، ص 167، وابن الناظم شرح الألفيّة ص 179، أنّ الإهمال أكثر.
(5) الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين، مرجع سابق، 1/195.
(6) الكتاب، 1/480.