الصفحة 21 من 44

ومِمَّا ذهب إليه الزّمخشريّ في مواقفه من القراءات القرآنيّة ترجيح إحدى القراءتين على الأخرى، دون أنْ يصرِّح بالطعن في القراءة أو يطعن في صاحبها. فمن ذلك قوله تعالى: { قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ } [طه: 63] ، قرأ أبو عمرو: (إنَّ هذين لساحران) [1] . على الجهة الظاهرة المكشوفة. وابن كثير وحفص (إنْ هذان لساحران) . على قولك:"إنْ زيدٌ لمنطلق"، واللام هي الفارقة بين إنْ النافية والمخففة من الثقيلة.... وقيل في القراءة المشهورة: (إن هذان لساحران) ، هي لغة بلحارث بن كعب، جعلوا الاسم المثنى نحو الأسماء التي آخرها ألف كـ"عصا"و"سعدى"، فلم يقلبوها ياءً في الجرّ والنَّصب، وقال بعضهم: (إنْ) بمعنى نعم، و (ساحران) خبر مبتدأ محذوف، والجملة داخلة على الجملة تقديره: لهما ساحران، وقد أعجب به أبو إسحاق" [2] ."

والذي يظهر لي أنّ الزّمخشريّ اهتدى بما ذهب إليه الفرّاء في قوله:"ولستُ أشتهي على أنْ أخالف الكتاب، وقرأ بعضهم: (إنْ هذان لساحران) خفيفة" [3] ، وهذا يعني أنّ الفرّاء يميل إلى اختيار قراءة أبي عمرو، لأنّها الأصل في عمل (إنّ) المشددة. ولهذا ذهب الزّمخشريّ في مفصله إلى إبطال عملها فقال:"وتخفف، فيبطل عملها قال الشاعر:"

* كأنْ ثدياهُ حُقَّانِ * [4]

(1) معاني القرآن للفرّاء، مرجع سابق، 2/183، وهي قراءة عائشة ـ رضي الله عنها ـ. انظر: البحر المحيط، 6/225، ومغني اللبيب، 1/38.

(2) الكشّاف، مرجع سابق، 2/543.

(3) انظر: معاني القرآن، مرجع سابق، 2/183-184.

(4) صدره: * ووجه مُشرِقُ النَّحر *، وفي"الجنى الداني": * ونحر مشرق اللّون *، ونحوه في"المفصل"، وفي شرح ابن عقيل:

وصدر مشرق النحر ... كأن ثدييه حقان

... وقال: وروى:"ثدياه".

والبيت لم ينسب إلى قائل معيّن، في الكتاب، 1/281، وشرح قطر النّدى، ص 173، وشرح الألفية لابن الناظم برواية ووجه ص 184.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت