ومِمَّا ذهب إليه الزّمخشريّ في مواقفه من القراءات القرآنيّة ترجيح إحدى القراءتين على الأخرى، دون أنْ يصرِّح بالطعن في القراءة أو يطعن في صاحبها. فمن ذلك قوله تعالى: { قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ } [طه: 63] ، قرأ أبو عمرو: (إنَّ هذين لساحران) [1] . على الجهة الظاهرة المكشوفة. وابن كثير وحفص (إنْ هذان لساحران) . على قولك:"إنْ زيدٌ لمنطلق"، واللام هي الفارقة بين إنْ النافية والمخففة من الثقيلة.... وقيل في القراءة المشهورة: (إن هذان لساحران) ، هي لغة بلحارث بن كعب، جعلوا الاسم المثنى نحو الأسماء التي آخرها ألف كـ"عصا"و"سعدى"، فلم يقلبوها ياءً في الجرّ والنَّصب، وقال بعضهم: (إنْ) بمعنى نعم، و (ساحران) خبر مبتدأ محذوف، والجملة داخلة على الجملة تقديره: لهما ساحران، وقد أعجب به أبو إسحاق" [2] ."
والذي يظهر لي أنّ الزّمخشريّ اهتدى بما ذهب إليه الفرّاء في قوله:"ولستُ أشتهي على أنْ أخالف الكتاب، وقرأ بعضهم: (إنْ هذان لساحران) خفيفة" [3] ، وهذا يعني أنّ الفرّاء يميل إلى اختيار قراءة أبي عمرو، لأنّها الأصل في عمل (إنّ) المشددة. ولهذا ذهب الزّمخشريّ في مفصله إلى إبطال عملها فقال:"وتخفف، فيبطل عملها قال الشاعر:"
* كأنْ ثدياهُ حُقَّانِ * [4]
(1) معاني القرآن للفرّاء، مرجع سابق، 2/183، وهي قراءة عائشة ـ رضي الله عنها ـ. انظر: البحر المحيط، 6/225، ومغني اللبيب، 1/38.
(2) الكشّاف، مرجع سابق، 2/543.
(3) انظر: معاني القرآن، مرجع سابق، 2/183-184.
(4) صدره: * ووجه مُشرِقُ النَّحر *، وفي"الجنى الداني": * ونحر مشرق اللّون *، ونحوه في"المفصل"، وفي شرح ابن عقيل:
وصدر مشرق النحر ... كأن ثدييه حقان
... وقال: وروى:"ثدياه".
والبيت لم ينسب إلى قائل معيّن، في الكتاب، 1/281، وشرح قطر النّدى، ص 173، وشرح الألفية لابن الناظم برواية ووجه ص 184.