ولهذا ذهب عبده الراجحي، إلى أنّه الأصل في معرفة اللهجات العربيّة لما يتميّز به منهج علم القراءات القرآنيّة:"وهي المرآة الصادقة التي تعكس الواقع اللُّغويّ الذي كان سائدًا في شبه الجزيرة العربيّة قبل الإسلام، ونحن نعتبر القراءات أصل المعارف جميعًا في معرفة اللهجات العربيّة، لأنّ منهج علم القراءات في طريقة نقلها تختلف عن كلّ الطرق التي نقلت بها المصادر الأخرى، كالشعر والنثر؛ بل تختلف عن طرق علم الحديث" [1] .
والحق ما اعترفت به الأعداء يقول أحد المستشرقين"جولدزيهر"، ما نصه:"فالقرآن يقدم القياس المصحح للاستعمال العربي لا العكس" [2] .
ترجيح إحدى القراءتين أو توجيهها وما يتفق ومقاييس العربيّة:
كان الأوْلَى بأئمة النَّحو ـ الذين تسرَّعوا في ردِّ بعض أوجه القراءات ـ أنْ يعدلوا عن موقفهم، وأنْ يجعلوا ما جاءت به القراءة أساسًا لقواعد النَّحو لا العكس. فمخالفة القراءة لوجه من وجوه اللُّغة لا يعني مخالفتها للّغة، فاللُّغة فيها:"المشهور"، و"الضّعيف"، و"النّادر"، و"الغريب".
وقال الزّركشي في باب:"معرفة توجيه القراءات وتبيين وجه ما ذهب إليه كلّ قارئ، وفائدته"، كما قال الكواشى:"أنْ يكون دليلًا على حسب المدلول عليه، أو مرجِّحًا، إلاَّ أنّه ينبغي التنبيه على شيء، وهو أنّه قد ترجّح إحدى القراءتين على الأخرى، ترجيحًا يكاد يُسقط القراءة الأخرى، وهذا غير مرضيٍّ، لأنَّ كلتيهما متواترة، وقد حكى أبو عمر الزاهد في كتابه:"اليواقيت"عن ثعلبة أنَّه قال: إذا اختلف الإعراب في القرآن عن السبعة لم أفضّل إعرابًا على إعراب في القرآن، فإذا خرجت إلى كلام النّاس فضّلت الأقوى فهو حسن" [3] .
(1) في القراءات القرآنيّة، ص 84.
(2) التيسير في القراءات السبع المشهورة وتوجيهه: صابر حسب أبو سليمان، دار عالم الكتب، الرياض، ط/1، 1415هـ،1994م، ص 23.
(3) البرهان في علوم القرآن، مرجع سابق، 1/339.