الصفحة 18 من 44

وقد تصدَّى ابن الجزريّ لذلك بقوله:"ونعوذ بالله من قراءة القرآن بالرأي والتشهي، وهل يحِلُّ لمسلم القراءة بما يجد في كتاب الله من غير نقل؟" [1] .

وخير دليل على ما ذكر ما قاله حمزة مدافعًا عن قراءته:"ما قرأت حرفًا من كتاب الله إلاَّ بأثر" [2] .

وقال أبو زرعة:"وقد أنكروا هذا وليس بمنكر، لأن الأئمة أسندوا قراءتهم إلى النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -"، وأنكروا أنّ الظاهر لا يعطف على المضمر المجرور، إلاَّ بإظهار الخافض وليس بمنكر" [3] ."

وقال السيوطي:"كان قومٌ من النّحاة المتقدّمين يعيبون على عاصم، وحمزة، وابن عامر، قراءات بعيدة عن العربيّة، وثابتة بالأسانيد المتواترة الصحيحة، لا مطعن فيها، وثبوت ذلك دليل على جوازه في العربيّة" [4] .

فالمتأمّل لما ذكر تظهر له روح الورع والنَّأي بالنّفس عن التّعرُّض للقراءات، ولاسيما المتواتر منها، فأين الزّمخشريّ وهجومه وطعنه في القراءات، ووصف أصحابها بالوهم، وكذا الرضي الذي لا يسلم بتواتر القراءات من هذه الروح؟

وقد جاءت القراءات لتكمل هذا الجانب المفقود من لغة القرآن، وفي هذا يقول أبو عمرو ابن العلاء:"وما انتهى إليكم ممَّا قالت العرب إلاَّ أقلّه، ولو جاء كم وافرًا لجاءكم علمٌ وشعرٌ كثير" [5] .

(1) ابن الجزري: النشر في القراءات العشر، مرجع سابق، 2/263.

(2) المصدر السابق، ص 166. وانظر: البحر المحيط، 3/157، والنشر في القراءات العشر، 2/147.

(3) حُجّة القراءات، لأبي زرعة، مرجع سابق، ص 188.

(4) السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبى بكر: الاقتراح في علم أصول النحو، تحقيق د. أحمد محمد قاسم، مطبعة السعادة، ط/1، 1976م، ص 25.

(5) طبقات فحول الشعراء، ص 5، وانظر: الخصائص، 1/386.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت