الصفحة 8 من 44

يقول العلماء:"لو كان القرآن قد نزل بلسان قريش، لما احتاج النَّاس إلى الشِّعر للاستشهاد به على فهم المشكل والغريب، وكان عليهم الرُّجوع إلى شعر قريش، ونثرهم للاستشهاد به في توضيح ما فيه من مشكل وغريب لا إلى شعر العرب وكلامهم، ثُمَّ إنَّ في قولهم بوجود مشكل وغريب، وحروف خفي أمر فهمها على العلماء هو دليل في حد ذاته على أنَّه لم ينزل بلسان قريش، وإنَّما نزل بلسان عربيّ مبين" [1] . ولو كان نزل بلسانهم لما خفي أمره على رجال كانوا أقرب النَّاس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، مثل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ، كذلك في رجوع ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ إلى الأعراب يسألهم عن ألفاظ وردت في القرآن الكريم أشكل عليه فهم معناها، وفي اعتماده في تفسير القرآن على الشِّعر، في كل ذلك دلالة واضحة على أنَّ القرآن لم ينزل بلسان قريش فحسب. أمَّا ما اتّفقت عليه كلمة العلماء القدامى، وأكثر المحدثين من أنَّ لهجة قريش أفصح العرب وأشهرها، لا يستدعي أنْ يكون غيرها من اللَّهجات العربيّة قد اشتهر بالفصاحة، أو أنَّه ابتعد عنها حتَّى لا ينزل القرآن إلاَّ بها. ونقول: إنَّ هذا الرَّأْي متعارض مع ما في القرآن من قراءات صحيحة جاءت على غير لهجة قريش. وقد ذكر كثير من العلماء أنَّ علم القراءات القرآنيّة ـ ذلك العلم الذي اهتم به علماؤنا الأقدمون اهتمامًا كبيرًا بضبطه وتقييده ـ يوضح اشتمال القرآن على لهجات العرب المختلفة.

قال أبو عمرو بن عبد البرّ:"قول مَنْ قال: نزل بلغة قريش معناه عندي: في الأغلب؛ لأنَّ لغة غير قريش موجودة في جميع القرآن من تحقيق الهمزة ونحوها، وقريش لا تهمز" [2] .

(1) جواد علي: المفصل، 8/660.

(2) الزَّركشيّ: البرهان، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ط/2، دون تاريخ، 1/380.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت