قال ابن فارس:"أجمع علماؤنا أنَّ قريشًا أفصح ألسنة العرب، وأصفاهم لغةً، وذلك أنَّ الله جلّ ثناؤه اختارهم من جميع العرب، واصطفاهم، واختار منهم نبي الرحمة - صلى الله عليه وسلم - ، فجعل قريشًا قُطَّان حرمه، وجيران بيته الحرام وولاته، فكانت وفود العرب من حجاجها، يَفِدُون إلى مكة للحج، ويتحاكمون إلى قريش في أمورهم، كانت قريش تعلّمهم مناسكهم وتحكم بينهم.. و كانت على فصاحتها، وحسن لغاتها، ورقة ألسنتها، إذا أتتهم الوفود من العرب، تخيّروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم، وأصفى كلامهم، فاجتمع ما تخيّروا من تلك اللُّغات إلى سلائقهم التي طبعوا عليها، فصاروا بذلك أفصح العرب" [1] .
وعن قتادة قال:"كانت قريش تجتبي أفضل لغات العرب حتَّى صارت لغتها أفضل لغاتهم، فنزل القرآن بها، وتحدَّى العرب وفصحاءهم أنْ يأتوا بمثله تحديًّا يدلُّ على عظيم منزلة البلاغة عندهم" [2] .
وقد استنكر ابن قتيبة قول مَنْ قال:"إنَّ القرآن نزل بغير لغة قريش محتجًا بقوله تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ } [إبراهيم: 4] ، وقد جزم أبو علي الأهوازيّ أنَّ اللُّغة التي نزل بها القرآن الكريم لم تتعد قريشًا مع بطونها" [3] .
هذه هي أدلة الفريق الأوَّل التي استندوا عليها إلاَّ أنَّ كثيرًا من العلماء قد ناقشها ومنع صحة الاستدلال بها.
(1) ابن فارس: الصَّاحبيّ، مكتبة المعارف، بيروت، 1993م، ص 55، وأحمد رضا: معجم متن اللُّغة، مكتبة الحياة، بيروت، لبنان، 1388هـ، 1958م، 1/52.
(2) السُّيوطيّ: المزهر، 1/11، أحمد رضا: معجم متن اللُّغة، 10/43.
(3) ابن حجر: فتح الباري، 9/27، السُّيوطيّ: الإتقان، المكتبة الثَّقافيّة، بيروت، لبنان، 1973 م، 1/47.