مِمَّا سبق يتبيَّن أنَّ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - كان حريصًا على الحفاظ على النَّص القرآنيّ، لذلك كان القرآن ـ وسيظلّ ـ هو النَّص العربيّ الصَّحيح، المتواتر، المُجْمَع على تلاوته بالطُّرق التي وصل بها إلينا في الأداء، والحركات، والسَّكنات، فلم يتوفَّر لنص ما توفَّر للقرآن الكريم من عناية وضبط؛ بل لم تعرف البشريّة كتابًا أُحيط بالعناية، وحوفظ على أصواته، وكلماته، وتراكيبه، وكيفيّة ترتيله بلهجاته المختلفة، مثل القرآن الكريم، لهذا كان مع قراءاته التي تحرّوا ضبطها حُجَّة في اللُّغة لا سيما اللَّهجات.
فنص القرآن الكريم هو النَّص الوحيد الذي تكفَّل الله عزّ وجلّ بحفظه من أنْ تطاله يد التَّحريف أو التَّصحيف، فنأى بحفظ الله تعالى عن تعدُّد الرِّوايات، وتطوُّر الألفاظ على تغلُّب السِّنين، وذكر:"أن تلك الأمور أسقطت الاحتجاج بكثير من الشَّواهد الشِّعريّة والنَّثريّة، ولم يسلم منها إلاَّ القرآن الكريم، فاستحقّ بذلك أنْ تكون له الصَّدارة في الدِّراسات اللُّغويّة، والتَّطبيقيّة منها على وجه الخصوص، إذا ما أريد لها سلامة المنهج ودقة النَّتائج".
أمَّا ما دار حول ورود القرآن باللَّهجات العربيّة المختلفة؛ فقد اختلف العلماء في اللَّهجة التي نزل بها القرآن الكريم، وتباينت وجهة نظرهم في نزول القرآن بلهجة واحدة من لهجات العرب أو بعدد منها أو بها جميعًا. وقد انحصرت أوجه الخلاف فيما يأتي [1] :
أوَّلًا: نزول القرآن بلهجة قريش فحسب، ولم ينزل بغيرها من لهجات العرب:
وهو ما ذهب إليه وأيَّده فريق كبير من العلماء، مستدلين على ذلك بما يلي:
(1) عبد الجليل عبد الرَّحيم: لغة القرآن الكريم، مكتبة الرِّسالة، الأردن، ط/1، 1401 هـ، 1981م، 42.