كذلك معظم الباحثين في تاريخ الأدب العربيّ ذهبوا إلى أنَّ القرآن الكريم نزل بلغة العرب التي كانوا ينظِّمون بها شعرهم، ويلقون بها خطبهم، لكنهم اختلفوا في تحديد هذه اللُّغة، ففريق يذهب إلى أنَّ هذه اللُّغة متمثّلة في لهجة قريش، والفريق الآخر يذهب إلى أنَّها لغة مضر، ويتوقَّف الباقون عن التَّعيين دون أن ْيرتضي بأقوال السَّابقين.
أمَّا الأغلبية فيستندون على أنَّ الاحتكاك الذي بين لهجات اللُّغة العربيّة، قد كتب الفوز فيه للهجة قريش؛ لنفوذها الدِّينيّ، والسِّياسيّ، واللُّغويّ بين العرب [1] . مِمَّا مكنها من أنْ تصبح لغة العرب جميعًا؛ تلك هي لهجة قريش، ويقولون:"فلا غرابة إذن في أنَّ القرآن وقد جاء بلغة قريش، كان مفهومًا لدى جميع القبائل، وكان يؤثِّر في العرب جميعًا ببيانه وبلاغته، فقد نزل بعد أنْ تمّ للهجة قريش التَّغلُّب على اللَّهجات العربيّة الأخرى، وبعد أنْ أصبحت لغة الآداب لسائر العرب" [2] .
أمَّا الذين صرَّحوا بأنَّ اللُّغة الأدبيّة التي شاعت في شبه الجزيرة العربيّة قبل الإسلام، هي اللُّغة المضريّة، فهي وإنْ كانت اللَّهجة القرشيّة إحدى فروعها إلاَّ أنَّهم لم يذكروا لنا دليلًا على هذا التَّصريح، ولعلّهم استندوا على قول سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -:"نزل القرآن بلغة رجل من مضر" [3] أو أنَّهم لم يحبذوا أنْ تكون اللُّغة الأدبيّة لهجة قبيلة وحدها؛ بل شارك في نشأتها وانتشارها غيرها من اللَّهجات الفصيحة، ولهجات هذه القبائل من مضر كُلّها فصيحة [4] .
(1) علي عبد الواحد وافي: فقه اللُّغة، 108، أميل يعقوب: فقه اللُّغة، بيروت، لبنان، ط/1، 1982 م، ص 124.
(2) علي عبد الواحد وافي: فقه اللُّغة، 112.
(3) ابن كثير: فضائل القرآن، ص 2.
(4) عمر فروخ: تاريخ الأدب العربيّ، دار العلم للملايين، بيروت، ط/6، دون تاريخ، ص 36-37.