لهذا استنكرَّ عبده الرَّاجحيّ هذا الرَّأْي، وحمل على القائلين به كثيرًا فقال:"تردَّد الكتب كثيرًا أنَّ القرآن أنزل بلغة قريش، ومع أنَّ القرآن الكريم بقراءاته المتواترة والشَّاذة يناقض هذا الزَّعم...؛ فإنَّ النُّصوص الكثيرة التي يردّدها عن اللُّغات التي نزل عليها القرآن كافية لنقض ذلك أيضًا، إذ رُوِيَ عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنَّه قال: أنزل القرآن على سبع لغات، منها خمس بلغة العجز من هوازن، وهم الذين يقال لهم:"عليا هوازن"، وهم خمس قبائل أو أربع منها سعد بن بكر، وجشم بن بكر، ونصر بن معاوية، وثقيف، ثُمَّ يقول: أليس عجيبًا حقًّا أنْ يجمع هذا النَّص تلك القبائل دون أنْ يذكر قريشًا من بين مَنْ نزل على لغتهم؟ أليس الأمر كما ذكر من أنَّ لهجة قريش اكتسبت هذا التَّمجيد عند القدماء لسبب واحد فقط، وهو أنَّ النَّبيّ قرشيّ، نحسب أنَّ الأمر كذلك [1] . والرَّأْي عندنا أنَّ مَنْ حقّ لهجة قريش أنْ تكسب هذا التَّمجيد، لكن هذا لا يمنع أنْ يكون غير لهجتها موجودًا في القرآن الكريم والدَّلائل على ذلك واضحة مما سبق ذكره."
ثانيًا: نزول القرآن باللُّغة الأدبيّة:
ذهب إلى هذا الرَّأْي علماء اللُّغة المحدثون بناءً على ما توصَّل إليه علم اللُّغة الحديث من نتائج مدروسة وقوانين عامّة تخضع لها جميع اللُّغات، كصراع اللُّغات ونتائجه، وقوانين تطوُّر اللُّغة، وتشعيبها إلى لهجات، ثُمَّ صراع هذه اللَّهجات إذا احتكت الصِّياغة فيما بينها، وتوّحدها في لغة مشتركة.
(1) عبده الرَّاجحيّ: اللَّهجات العربيّة في القراءات، 43-44.