كذلك ذكرت ألفاظ كثيرة جاءت في القرآن الكريم بغير لهجة قريش، ومِمَّا يدلُّ على ذلك قيل:"إنَّ كُلّ مصر من أمصار العرب كانوا يفخرون على غيرهم بأنَّ القرآن أحكى للغتهم عن غيرها"، قال الجاحظ [1] :"قال أهل مكة للشَّاعر محمد بن المُنَاذر [2] : ليست لكم معاشر أهل البصرة لغة فصيحة، إنَّما الفصاحة لنا أهل مكة. فقال ابن المُنَاذر: أمَّا ألفاظنا فأحكى الألفاظ للقرآن، وأكثرها له موافقة، فضعوا القرآن بعد هذا حيث شئتم، ثُمَّ قال: أنتم تُسَمَّون القدر:"بُرْمةً"، وتجمعونها على"بِرام"، ونحن نُسمِّيها:"قِدر"، ونجمعها على"قُدور"، وقال عزَّ وجلَّ: { وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ } [سبأ: 13] ، وأنتم تُسَمُّون البيت إذا كان فوق البيت:"عُلِّيَّة"وتجمعونها على"عَلالي"، ونحن نُسمِّيه:"غرفة"ونجمعه على"غُرفاتٍ"و"غرف"، والله تعالى يقول: { غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ } [الزُّمر: 30] ، وقال تعالى: { وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ } [سبأ: 37] ، وأنتم تُسمُّون الطَّلعَ:"الكافور"و"الإغريض"، ونحن نُسمِّيه:"الطَّلْع"، والله تعالى يقول: { وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ } [الشُّعراء: 148] ، ثُمَّ يقول الجاحظ:"إنَّ ابن روح عَدَّ عشر كلمات لم أحفظ أنا منها إلاَّ هذا"."
(1) الجاحظ: البيان والتَّبيين، 1/18.
(2) هو مولى بني صبير، كان إمامًا في اللُّغة وكلام العرب، وكان معاصرًا للأصمعيّ وحلف الأحمر.