... لقد تم ما سبق من قبل الغرب بالاعتماد على حركات التبشير الدينية التي اعقبت الحروب الصليبية، والابن البار لها والذي حقق ماكانت تطمح اليه ألا وهو الأستشراق، والناظر لواقع العالم الإسلامي اليوم، وما اصابه من تشتت ، وتبعية، وابتعاد عن الإسلام وتقليد للغرب، يعرف ان اهداف الاستعمار قد تحققت، فالضعف المادي والمعنوي اخذ حظه من العالم الإسلامي، والغرب بدأ يضع الحواجز في طريق اندفاع الأمة الإسلامية في حريتها، وسيادتها، وارضها، وتراثها، وبعض ابناء الإسلام تبنوا الدفاع عن الغرب وحضارته اكثر من الغرب نفسه.
... وهذا مانجده في الصيحات التي تعالت من قبل دعاة التنوير والحداثة وفي طليعتهم لطفي السيد وطه حسين، وتفوقا عليهما عبد العزيز فهي وسلامة موسى في دعوتهما النكراء إلى استبدال العربية بالانجليزية ؛ ليكونا مثالًا واضحًا للانسلاخ التام المبكر عن الذات هذا الانسلاخ مبرر بحجة مفادها: ان الخط اللاتيني هو وثبة في النور نحو المستقبل وكأن الخط اللاتيني لم يكن حين كانت أوربا مثال التخلف والهمجية فيما كان المسلمون الذين لا يعرفون اللاتينية، قد استقروا في قمة السلم الحضاري (الخرفي ، 1990: 10-25) .
... ان عملية الغزو الثقافي لم تكتسب شموليتها من استيعابها لشرائح مجتمعنا وحسب، بل من استيعابها ايضًا لجميع العناصر التي تؤلف وعي الذات الجماعية حين وزعت انشطتها على محاور الثقافة الاسلامية بلا استثناء.
... اذ نجدها استهدفت الحس الأسلامي المتأصل من خلال استثارة الحس القومي المنفصل عن أي مقوم ديني، بل الناقم عليه، فأفرز العديد من الحركات القومية التي كان عامة مؤسسيها من النصارى، أو من اصول يهودية، او ممن تربى على يد الغرب واساليبهم الفكرية الهدامة كالحركات العلمانية، فكانت هذه الحركات كفيلة بتمزيق الحس الاسلامي، وروابطه المقدسة.