... وينقسم المفكرون في نظرتهم الى التراث على مدارس مختلفة، اذ نجد مدرسةً ترى ان التراث لا يستحق العناء؛فهو خالٍ من كل الهام، وان الوقوف عليه واستلهامه وتمثله ضرب من العبث والإضاعة للجهد والوقت . ومدرسة ثانية تتعصب للتراث تعصبًا أعمى بعيد كل البعد عن الموضوعية والعقلانية، فنجدها ترفض وبشدة أي مناقشة للحقائق التاريخية ، حتى تلك التي تعرضت للتشويه والاستلاب، وعكست أخطاءً يفترض عدم تكرارها بأي حالٍ من الأحوال. ومدرسة ثالثة ترى في التراث السند القوي والمصدر الآمن لصياغة واقع أكثر أمنا ووضوحًا في مساره وغاياته؛ لرسم مستقبل واضح المعالم ، مشرق ، بارز ورصين في بنائه وقوي في قدرته على استيعاب مخرجات الحاضر، واحتضان نتائجه. ولكن مثل هذه المدرسة قد لاتمتلك حولًا ومنعة في مجريات الحاضر ؛ لذلك ربما تبقى هذه الرؤية حبيسة في صدرها وذاكرتها، وتكون صاحبة هذه الرؤية كشاعر يقف على الأطلال يصفها ويسأل الدار عن أهليها. أما المدرسة الرابعة فإنها تنطلق من حقيقة لا غبار عليها، ولكنها تقف عندها ولا تتجاوزها، مفادها ان الغرب الاستعماري، هو الذي يقدم لنا صياغة كما يريدها لتاريخنا، تناسب هواه وتتفق مع طموحاته ومخططاته، وهذه المدرسة كسابقتها مؤمنة بحقيقة نبيلة وتختزن في ذاكرتها وحاضرها مسلمة بديهية، ولكنها تكتفي- وللأسف - بالتمرد العاطفي والتشنج غير المستند إلى منهج وأهداف واضحة تؤمن بالتواصل التأريخي، وسمو الوجود الإنساني، على أساس استخلاف الأرض وإعمارها من قبل الانسان.