قال النووي في شرح الحديث في صحيح مسلم في قوله عليه الصلاة والسلام: (لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله) ، وفي هذا الحديث إشارة إلى استحباب الدواء، وهو مذهب أصحابنا وجمهور السلف وعامة الخلف. قال القاضي: في هذه الأحاديث جمل من علوم الدين والدنيا، وصحة علم الطب، وجواز التطبب في الجملة، واستحبابه بالأمور المذكورة في هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم وفيها رد على من أنكر التداوي من غلاة الصوفية وقال كل شيء بقضاء وقدر فلا حاجة إلى التداوي، وحجة العلماء هذه الأحاديث ويعتقدون أن الله هو الفاعل، وأن التداوي هو أيضًا من قدر الله، وهذا كالأمر بالدعاء، وكالأمر بقتال الكفار، وبالتحصن ومجانبة الإلقاء باليد إلى التهلكة مع أن الأجل لا يتغير والمقادير لا تتأخر ولا تتقدم عن أوقاتها، ولابد من وقوع المقدرات والله أعلم [1] .
وقال ابن عبدالبر في شرح حديث (ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء) في هذا الحديث إباحة التعالج وفيه بيان أن الله عز وجل هو الممرض والشافي وأنه لا يكون في ملكه إلا ما شاء وأنه أنزل الداء وأنزل الدواء وقدره وقضى به [2] .
ثم قال: وفي الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي وأنه لا ينافي التوكل كما لا ينافيه دافع داء الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها. بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدرًا وشرعًا وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة.
وبهذا يتبين أن التداوي لا ينافي التوكل مطلقًا.
خامسًا: هل الأفضل لمن أصابه المرض التداوي أو تركه مع الصبر والتوكل؟
اختلف العلماء في ذلك، فجمهور أهل العلم على إباحة التداوي وجواز تركه مع الصبر والتوكل، والحديث هنا عن الأفضل.
(1) شرح النووي على صحيح مسلم (14/441-442) .
(2) التمهيد، ابن عبدالبر، (5/264) .