وقال الثوري: حُرِمتُ قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته. قيل: وما ذاك الذنب؟ قال: رأيتُ رجلًا يبكي، فقلت في نفسي: هذا رياء.
وقال بعض السلف: دخلت على"كرز بن وبرة"وهو يبكي، فقلتُ: أتاك نعي بعض أهلك؟ فقال: أشد. فقلتُ: وجع يؤلمك؟ قال: أشد. قلتُ: فما ذاك؟ قال: بابي مُغلَق، وسِتري مُسبَل، فلم أقرأ حزبي البارحة؛ ما ذلك إلا بذنب أحدثته.
توالد المعاصي: فإن المعاصي تزرع أمثالها، ويولد بعضها بعضًا؛ حتي يعز على العبد مفارقتها والخروج منها، كما قال بعض السلف: إن من عقوبة السيئة السيئة بعدها، وإن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها.
فإن الخير يدعو إلى الخير، والشر يدعو إلى الشر، والقليل من كل واحد منهما يجر إلى الكثير. ولا يزال العبد يعاني الطاعة، ويألفها، ويحبها، ويؤثرها؛ حتى يرسل الله سبحانه وتعالى برحمته الملائكة تحرضه عليها، وتزعجه عن فراشه ومجلسه إليها. ولا يزال يألف المعاصي، ويحبها، ويؤثرها؛ حتى يرسل الله عليه الشياطين؛ فتحركه إليها تحريكًا. فالأول قَوَّى جند الطاعة بالمدد؛ فصاروا من أكبر أعوانه، وهذا قَوَّى جند المعصية بالمدد؛ فكانوا أعوانًا عليه.
هوان العاصي على ربه: فإن المعصية سبب لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه. قال الحسن البصري: هانوا عليه فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم.
وإذا هان العبد على الله لم يكرمه أحد، كما قال تعالى: { وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ } [الحج: 18] ؛ وإن عظَّمهم الناس في الظاهر لحاجتهم إليهم، أو خوفًا من شرهم؛ فهم في قلوبهم أحقر شيء وأهونه؛ فالمعصية تورث الذل ولا بد. وإن العز؛ كل العز في طاعة الله تعالى، قال عز وجل: { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا } [فاطر: 10] أي فليطلبها بطاعة الله، فإنه لا يجدها إلا في طاعة الله.
وكان من دعاء بعض السلف: اللهم أعزني بطاعتك، ولا تخذلني بمعصيتك.