جلس الإمام الشافعي وهو غلام صغير في مجلس الإمام مالك بالمدينة المنورة، وكان الإمام مالك يقرأ في درسه أحاديث الرسول خ في مسجده، وكانت عادته إذا ذكر الحديث أن يقول: عن فلان، عن فلان، عن صاحب هذا المقام، ثم يشير إلى قبر الرسول خ. فرأى وهو يشير إلى القبر الشافعي يعبث بثمرة من الحصير؛ بعد أن بلها بريقه فوق يده! فحزن الإمام مالك، ثم انتظر حتى أنهى درسه الذي قرأ فيه أربعين حديثًا، ثم ناداه، فأقبل وجلس بين يديه، فعاتبه قائلًا: لماذا كنت تعبث أثناء تلاوة حديث رسول الله خ؟ فقال: يا سيدي! ما كنتُ أعبث ولكني كنتُ أسجل بريقي ما تقول حتى لا أنسى؛ لأنني فقير، ولا أملك الدرهم الذي أشتري به القرطاس والقلم.
فتعجب الإمام مالك، وقال له: إذا كنتَ صادقًا فاقرأ ولو حديثًا واحدًا من الأربعين التي قرأتُها في درس الليلة. فجلس الشافعي كما كان يجلس أستاذه الإمام، وقال: عن فلان، عن فلان، عن صاحب هذا المقام؛ وأشار إليه كما أشار الإمام، ثم قرأ الأربعين حديثًا. فأعجب الإمام مالك بذكائه، وقال له: إني أرى الله قد ألقى في قلبك نورًا، فلا تُطفئه بظُلمة المعاصي.
وفي يوم رأى الإمام الشافعي أن ذكاءه لم يعد في الدرجة التي كان عليها من قبل، فذهب إلى أستاذه الإمام وكيع، وشكا له سوء حفظه، وقد أشار إلى هذا بقوله:
شكوتُ إلى وكيعٍ سُوءَ حِفظي ... فأرشدني إلى تركِ المعاصي
وأخبرني بأنَّ العلمَ نورٌ ... ونورُ اللهِ لا يُهدَى لعاصي
وحشة يجدها العاصي في قلبه بينه وبين الله: لا توازنها ولا تقارنها لذة أصلًا. ولو اجتمعت له لذات الدنيا بأسرها لم تَفِ بتلك الوحشة. وهذا أمر لا يحس به إلا مَن في قلبه حياة، وما لجرح بميت إيلام. فلو لم تُترَك الذنوب إلا حذرًا من وقوع تلك الوحشة؛ لكان العاقل حريًّا بتركها.
إذا كنتَ قد أوحشتْكَ الذنوبُ فَدَعْها إذا شئتَ واستأنِسِ