الصفحة 39 من 200

اللسان من نعم الله العظيمة، ولطائف صنعه الغريبة؛ فإنه صغير جِرمه، عظيم طاعته وجُرمه. ومَن أطلق عذبة اللسان، وأهمله مرخي العَنان؛ سلك به الشيطان في كل ميدان، وساقه إلى شفا جرف هار، إلى أن يضطره إلى البوار. ولا يَكُبُّ الناسَ في النار على مناخرهم إلا حصائدُ ألسنتهم، ولا ينجو مِن شر اللسان إلا مَن قيده بلجام الشرع؛ فلا يطلقه إلا فيما ينفعه في الدنيا والآخرة، ويكفيه عن كل ما يخشى غائلته في عاجله وآجله.

وإذا أردتَ أنْ تستدل على ما في القلب، فاستدِل عليه بحركة اللسان؛ فإنه يُطلعك على ما في القلب، شاء صاحبه أم أبَى.

قال يحيى بن معاذ: القلوب كالقدور تغلي بما فيها، وألسنتها مغارفها.

إنَّ الكلامَ لفي الفؤادِ وإنما جُعِلَ اللسانُ على الفؤادِ دليلا

ومن جوامع كلم النبي خ:"مَن كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فليَقُلْ خيرًا أو ليَصمُتْ" [رواه البخاري ومسلم] ، فيه أمر بقول الخير، وبالصمت عما عداه. فالكلام إما أن يكون خيرًا؛ فيكون مأمورًا بقوله، وإما أنْ يكون غير ذلك؛ فيكون مأمورًا بالصمت عنه.

الصمتُ زَيْنٌ والسكوتُ سلامةٌ ... فإذا نطقتَ فلا تكنْ مِكثارا

ما أنْ نَدمتُ على سكوتٍ مرةً ... ولقد نَدمتُ على الكلامِ مرارا

قال عمر بن عبد العزيز: مَن لم يعد كلامه من عمله كثرت خطاياه.

ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام، والظلم، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، ومن النظر المحرم، وغير ذلك.. ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه، حتى ترى الرجل يُشار إليه بالدين والزهد والعبادة؛ وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله؛ لا يُلقي لها بالًا؛ ينزل بالكلمة الواحدة منها أبعد مما بين الشرق والمغرب. وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم، ولسانه يَفري في أعراض الأحياء والأموات، ولا يبالي ما يقول!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت