الصفحة 38 من 200

وأخس الناس همة، وأوضعهم نفسًا مَن رضي بالأماني الكاذبة، وهي أضر شيء على الإنسان، ويتولد منها العجز والكسل، وتولد التفريط والحسرة والندم. والمتمني لما فاتته مباشرة الحقيقة بجسمه؛ حَوَّل صورتها في قلبه، فقنع بوصال صورة وهمية خيالية صوَّرها فكره، وذلك لا يجدي عليه شيئًا؛ وإنما مثله مثل الجائع والظمآن؛ يُصور في وهمه صورة الطعام والشراب؛ وهو لا يأكل ولا يشرب! والسكون إلى ذلك واستجلابه يدل على خساسة النفس ووضاعتها. وإنما شرف النفس وزكاؤها بأن ينفي عنها كل خطرة لا حقيقة لها، ولا يرضى أن يُخطرها بباله، ويأنف لنفسه منها.

واعلم أن ورود الخاطر لا يضر، وإنما يضر استدعاؤه ومحادثته، فالخاطر كالمار على الطريق، فإنْ تركتَه مَرَّ وانصرف عنك، وإن استدعيتَه سحرك بحديثه وخدعه وغروره، وهو أخف شيء على النفس الفارغة الباطلة، وأثقل شيء على القلب والنفس الشريفة السماوية المطمئنة.

واعلم أن القلب لوح فارغ، والخواطر نقوش تُنقَش فيه، فكيف يليق بالعاقل أن تكون نقوش لوحه ما بين كذب وغرور وخدع، وأماني باطلة، وسراب لا حقيقة له؟ فأي حكمة وعلم وهدى يُنتقَش مع هذه النقوش؟ وإذا أراد أن ينقش ذلك في لوح قلبه؛ كان بمنزلة كتابة العلم النافع في محل مشغول بكتابة ما لا منفعة فيه، فإنْ لم يُفرِّغ القلب من الخواطر الردية لم تستقر فيه الخواطر النافعة؛ فإنها لا تستقر إلا في محل فارغ. وكثير من أرباب السلوك بنوا سلوكهم على حفظ الخواطر، وأنْ لا يُمَكِّنوا خاطرًا يدخل قلوبهم، حتى تصير القلوب فارغة قابلة لظهور حقائق العلويات فيها.

واعلم أن الكمال في امتلاء القلب من الخواطر والإرادات والفكر في تحصيل مرضاة الرب تبارك وتعالى. كما أن أنقص الناس أكثرهم خواطر وفكر وإرادات لحظوظه وهواه أين كانت.

إذا اشتغلَ اللاهونَ عنكَ بشُغلِهِم

جعلتُ اشتغالي فيكَ -يا مُنيَتي- شُغلي

ثالثا: اللفظات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت