أما اللحظات فهي رائد الشهوة ورسولها؛ لأن العين رائد القلب:
ألم ترَ أنَّ العينَ للقلبِ رائدٌ فما تألفُ العينانِ فالقلبُ آلِفُ
والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان؛ فالنظرة تولد خطرة، ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة تقوى فتصير عزيمة جازمة، فيقع الفعل ولا بد؛ ما لم يمنع منه مانع. وفي هذا قيل: الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده.
ومَن أطلق لحظاته دامت حسراته؛ فإن النظرة سهم مسموم من سهام إبليس. قال علي بن أبي طالب: العيون مصائد الشيطان.
وفي غض البصر عدة منافع؛ منها:
? أنه يورث القلب أنسًا بالله؛ فإن إطلاق البصر يفرق القلب، ويشتته، ويبعده من الله، ويورث الوحشة بين العبد وربه.
يقول أطباء القلوب: بين العين والقلب منفذ وطريق، فإذا خربت العين وفسدت خرب القلب وفسد، وصار محلًا للقاذورات؛ فلا يصلح لسكن معرفة الله ومحبته، والإنابة إليه، والأنس والسرور بقربه، وإنما يسكن فيه أضداد ذلك.
? أنه يُلبِس القلب نورًا، كما أن إطلاقه يُلبسه ظُلمة، ولهذا ذكر الله سبحانه وتعالى آية النور عقيب الأمر بغض البصر، قال تعالى: { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ } [النور: 30] ، ثم قال تعالى: { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ } [النور: 35] أي مثل نوره في قلب عبده المؤمن؛ الذي امتثل أوامره واجتنب نواهيه.
وإذا استنار القلب أقبلت وفود الخيرات إليه من كل ناحية، كما أنه إذا أظلم أقبلت سحائب البلاء والشر عليه من كل مكان.
? أنه يورث فراسة صادقة يميز بها بين الحق والباطل، و الصادق والكاذب. كان"شجاع الكرماني"يقول: مَن عمَّر ظاهره باتباع السنه، وباطنه بدوام المراقبة، وغض بصره عن المحارم، وكف نفسه عن الشبهات، واغتذى بالحلال؛ لم تخطئ له فراسة. وكان شجاع هذا لا تخطئ له فراسة.