وكانت حياة الصحابة رضوان الله عليهم ترجمة عملية لهذا المعني الذي أشار إليه عبد الله بن مسعود.
وهذا أبو لبابة بن عبد المنذر بعثه رسول الله خ إلى بني قريظة استجابة لطلبهم -بعد أن خانوا العهد، ونقضوا الميثاق، وتآمروا على المسلمين- فلما رأوه قام إليه الرجال، وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه؛ فرَقَّ لهم، وقالوا له: يا أبا لبابة! أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه؛ أنه الذبح. قال أبو لبابة: فوالله مازالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خنتُ الله ورسوله.
ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله خ حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده، وقال: لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله عليّ مما صنعتُ. وعاهد الله أنْ:"لا أطأ بني قريظة أبدًا، ولا أُرَى في بلد خنتُ الله ورسوله فيه أبدًا". فلما بلغ رسول الله خ خبره؛ وكان قد استبطأه، قال: أما إنه لو جاءني لاستغفرتُ له، فأما إذ قد فعل ما فعل؛ فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه.
قال ابن هشام: فأنزل الله تعالى في أبي لبابة فيما قال سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله بن أبي قتادة: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [الأنفال: 27]