فإذا ابنتي التي ماتت قد أشرفت عليَّ، فلما رأت ما أنا فيه صاحت وبكت، ثم وثبت كرمية السهم، فجاءت بين يدىّ، ومدت إليّ شمالها فتعلقت بها، ومدت يمينها إلى التنين فولى هاربًا، وأجلستني وأنا كالميت من الخوف والفزع، وقعدت في حجري، كما كانت تصنع في الحياة، وضربت بيدها إلي لحيتي وقالت: يا أبت..! { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ } [الحديد: 16]
فبكيت وقلت: يا بنية! أخبريني عن هذا التنين الذي أراد هلاكي.
قالت: ذاك عملك السوء الخبيث، أنت قويته حتى بلغ هذا الهول الهائل.
قلت: فذاك الشيخ الضعيف الذي استجرت به ولم يجرني؟
قالت: يا أبت! ذاك عملك الصالح، أنت أضعفته فضعف حتى لم يكن له طاقة أن يغيثك من عملك السيئ.
وانتبهتُ من نومي فزعًا، لا أراني أستقر، كأني طريدة عملي السيئ، كلما هربت منه هربت به، وأين المهرب من الندم الذي كان نائمًا في القلب واستيقظ للقلب ؟
وأملت في رحمة الله أن أربح من رأس مال خاسر، وقلت في نفسي: إن يومًا باقيًا من العمر هو للمؤمن عمر ما ينبغي أن يستهان به، وصححت النية على التوبة؛ لأرجع الشباب إلى ذلك الشيخ الضعيف، وأسمن عظامه حتى إذا استجرتُ به أجارني، ولم يقل: أنا ضعيف كما ترى!