فأكمدني الحزن عليها، ولم يكن لي من قوة الإيمان ما أتأسى به، فضاعف الجهل أحزاني، وجعل مصيبتي مصائب، ورجعت بجهلي إلى شر مما كنت فيه، وكانت أحزاني أفراح الشيطان، وأراد -أخزاه الله- أن يفتن في أساليب فرحه، فلما كانت ليلة النصف من شعبان وكانت ليلة جمعة، سول لي الشيطان أن أسكر سكرة ما مثلها. فبت كالميت مما ثملت، وقذفتني أحلام إلى أحلام، ثم رأيت القيامة والحشر، وقد ولدت القبور من فيها، وسيق الناس وأنا معهم، وليس وراء ما بي من الكرب غاية، وسمعت خلفي زفيرًا كفحيح الأفعى، فالتفت فإذا أنا بتنين عظيم، أسود، أزرق، يرسل الموت من عينيه الحمراوين، وفي فمه مثل الرماح من أنيابه، وقد فتح فاه ونفخ جوفه وجاء مسرعًا يريد أن يلتقمني، فممرت بين يديه هاربًا فزعًا، فإذا أنا بشيخ هرم يكاد يموت ضعفًا فعذت به وقلت: أجرني وأغثني. فقال: أنا ضعيف كما ترى، وما أقدر على هذا الجبار، ولكن.. مر وأسرع، فلعل الله أن يسبب لك أسبابًا للنجاة.
فوليت هاربًا، وأشرفت على النار وهي الهول الأكبر، فرجعت أشتد هربًا والتنين على أثري، ولقيت ذلك الشيخ مرة أخرى، فاستجرت به، فبكى من الرحمة لي وقال: أنا ضعيف كما ترى، ما أقدر على هذا الجبار، ولكن اهرب إلى هذا الجبل، فلعل الله يُحدِث أمرًا.
فنظرت فإذا جبل كالدار العظيمة، له كُوَىً عليها ستور، وهو يبرق كشعاع الجوهر، فأسرعت إليه والتنين من ورائي، فلما شارفت الجبل فُتحت الكوى، ورُفعت الستور، وأشرفت على وجوه أطفال كالأقمار، وقرب التنين مني، وصرت في هواء جوفه وهو يتضرم عليَّ، لم يبقَ إلا أن يأخذني، فتصايح الأطفال جميعًا: يا فاطمة! يا فاطمة!