كنت في صدر أيامي شرطيًّا، وكنت في آنفة الحداثة من قبلها أتفتى وأتشطر [1] ، وكنت قاسيًا كأن في أضلاعي جندلة لا قلبًا، فلا أتذمم ولا أتأثم، وكنت مدمنًا على الخمر، لأنها روحانية من عجز أن تكون فيه روحانية.
فبينا أنا ذات يوم أجول في السوق، والناس يفورون في بيعهم وشرائهم، وأنا أراقب السارق، وأعد للجاني، وأتهيأ للنزاع، إذ رأيت اثنين يتلاحيان، وقد لبب أحدهما الآخر، فأخذت إليهما، فسمعت المظلوم يقول للظالم: لقت سلبتني فرح بنياتي، فسيدعون الله عليك، فلا تصيب من بعدها خيرًا.
وكنت عزبًا لا زوجة لي، ولكن الآدمية انتبهت فيّ، وطمعت في دعوة صالحة من البنيات المسكينات، ودخلتني لهن رقة شديدة، فأخذت للرجل من غريمه حتى رضي، وأضعفت له من ذات يدي لأزيد في فرح بناته، وقلت له وهو ينصرف: عهد يحاسبك الله عليه، ويستوفيه لي منك، أن تجعل بناتك يدعون لي إذا رأيت فرحهن بما تحمل إليهن، وقل لهن: مالك بن دينار!
ثم فكرت في الزواج، وعلمت أن الناس لا يزوجونني من طيباتهم ما دمت من الخبيثين، فلما أصبحت غدوت إلى سوق الجواري، فاشتريت جارية نفيسة، ووقعت مني أحسن موقع، وولدت لي بنتًا فشُغِفت بها، ولما دبت على الأرض ازددت لها حبًّا، فلما تم لها سنتان ماتت!
(1) أقطع الطريق.