الصفحة 14 من 200

توبة الخواص تكون من تضييع الوقت في لغو أو لهو؛ فإنه يُفضي إلى درك النقيصة، ويُطفئ نور المراقبة، وأما الحافظ لوقته فهو مترقٍ على درجات الكمال، فإذا أضاعه فإنه لا يقف موضعه، بل ينزل إلى درجات من النقص. فإن لم يكن في تقدم فهو متأخر ولا بد. فالعبد سائر لا واقف. فإما إلى أعلى، وإما إلى أسفل. إما إلى أمام، وإما إلى وراء. وليس في الطبيعة، ولا في الشريعة وقوف البتة. ما هو إلا مراحل تُطوَى أسرع طي إلى الجنة أو إلى النار؛ مسرع وبطيء، متقدم ومتأخر، وليس في الطريق واقف البتة، وإنما يتخالفون في جهة السير، وفي السرعة والبطء: { إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ . نَذِيرًا لِلْبَشَرِ . لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ } [المدثر: 35-37] ولم يذكر واقفًا؛ إذ لا منزل بين الجنة والنار، ولا طريق لسالك إلى غير الدارين البتة. فمَن لم يتقدم إلى هذه بالأعمال الصالحة؛ فهو متأخر إلى تلك بالأعمال السيئة، فإن قيل: كل مُجِد في طلب شيء لا بد أن يعرض له وقفة وفتور ثم ينهض إلى طلبه. قلتُ [1] : لا بد من ذلك، ولكن صاحب الوقفة له حالان: إما أن يقف ليُجم نفسه، ويُعدها للسير؛ فهذا وقفته سير، ولا تضره الوقفة؛ فـ"إنَّ لكل عملٍ شِرَّةً، ولكلِّ شِرَّةٍ فَترةً". [2]

(1) ابن القيم في: مدارج السالكين

(2) شِرَّة: نشاط وقوة - فترة: ضعف وفتور . وتمام الحديث: عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لكل عملٍ شِرةٌ ولكلِّ شِرةٍ فترةٌ، فمَن كانت فترتُه إلى سُنتي فقد اهتدى، ومَن كانت فترتُه إلى غيرِ ذلك فقد هلك". رواه ابن أبي عاصم، وابن حبان في صحيحه، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت