فأخبر سبحانه أن توبته عليهم سبقت توبتهم، وأنها هي التي جعلتهم تائبين؛ فكانت سببًا مقتضيًا لتوبتهم، وهذا القدر من سر اسمه"الأول والآخر"؛ فهو المعد والممد، ومنه السبب والمسبب، والعبد تواب، والرب تواب؛ فتوبة العبد رجوعه إلى سيده بعد الإباق، وتوبة الرب نوعان: إذن وتوفيق، وقبول وإثابة. والتوبة لها مبدأ ومنتهى، فمبدؤها الرجوع إلى الله بسلوك الصراط المستقيم الذي أمر بسلوكه بقوله تعالى: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ } [الأنعام: 153] ونهايتها الرجوع إليه في الميعاد، وسلوك صراطه الذي نصبه موصلا إلى جنته. فمَن رجع إلى الله في هذه الدار بالتوبة رجع إليه في المعاد بالثواب، قال الله عز وجل: { وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا } [الفرقان: 71]
يا مَن يَرَى مَدَّ البعوضِ جَناحَهُ ... في ظُلمَةِ الليلِ البهيمِ الأليلِ
ويَرَى نِياطَ عُروقِها في نَحرِها ... والمخَّ في تلكَ العِظامِ النُّحَّلِ
ويَرَى ويَسمعُ ما يَرَى ما دُونَها ... في قاعِ بحرٍ زاخرٍ مُتجندِلِ
اُمنُنْ عليَّ بتوبةٍ تَمحُو بها ... ما كانَ مني في الزمانِ الأولِ [1]
روي أن شابًّا أطاع الله عشرين عامًا، وعصاه عشرين عامًا، فنظر في المرآة يومًا وقال: اللهم إني أطعتُك عشرين سنة، وعصيتُك عشرين سنة؛ فهل إن رجعتُ إليك تقبلني؟ فسمع صوتًا يقول ولا يرى شيئًا: أحببتَنا فأحببناك، وتركتَنا فتركناك، وعصيتَنا فأمهلناك، وإنْ رجعتَ إلينا قبلناك.
توبة الخواص:
(1) البهيم الأليل: المظلم شديد الظلام - النُّحَّل: النحيلة الرفيعة - متجندل: عظيم