الصفحة 12 من 200

إن ذرة من صاحب هذا القلب المكسور، ونَفَسًا منه أحب إلى الله من طاعات أمثال الجبال من الْمُدِلِّين الْمُعجَبين بأعمالهم وعلومهم وأحوالهم، وأحب القلوب إلى الله قلب قد تمكنت منه هذه الكسرة، وملكته هذه الذلة؛ فهو ناكس الرأس بين يدي ربه، لا يرفع رأسه إليه حياءً وخجلًا من الله.

فررتُ إليكَ مِن ظُلمي لنفسي ... وأوحشني العبادُ فأنتَ أُنسي

رضاكَ هو المُنَى وبهِ افتخاري ... وذِكرُكَ في الدُّجَى قمري وشمسي

قصدتُ إليكَ مُنقطِعًا غريبًا ... لتُؤنِسَ وَحدتي في قَعرِ رَمْسي [1]

فهذا وأمثاله من أثار التوبة المقبولة، فمَن لم يجد ذلك في قلبه فليتهم توبته، وليرجع إلى تصحيحها.

التوبة منحة ربانية لمن أخلص لله وصدق النية في ترك الذنوب والمعاصي بالكلية..

فتوبة العبد إلى الله محفوفة بتوبة من الله عليه قبلها، وتوبة منه بعدها، فتوبته بين توبتين من ربه: سابقة ولاحقة؛ فإنه تاب عليه أولًا إذنًا وتوفيقًا وإلهامًا؛ فتاب العبد، فتاب الله عليه ثانيًا قبولًا وإثابة، وذلك لقوله عز وجل: { وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } [التوبة: 118]

(1) قعر رمسي: عميق قبري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت