كان عليه الصلاة والسلام يعلن حالة الحرب من المسجد، ويتكلم عن ملابسات المعركة وعن ظروفها، وعن الشهداء وأحوالهم في المسجد. فقد أعلن عن معركة أحد يوم الجمعة، وبدأت أحداثها يوم السبت، وتكلم عليه الصلاة والسلام عن الشهداء في مؤتة من على منبره وكأنه يعيش أحداثها لحظة بلحظة.
وكان يرسل السرايا والغزوات من المسجد، فيأتي بالقائد ليسلمه الراية من على المنبر، فتكون الغزوة مباركة والسير مباركًا، والنتيجة مباركة. وكان عليه الصلاة والسلام يعلن نتائج المعارك من المسجد، وهذا ثابت في سيرته صلى الله عليه وسلم، وذكر ذلك أهل العلم كصاحب زاد المعاد ، وابن هشام في سيرته وغيرهما من أرباب السير ونقلة التاريخ.
وقال المهلب: المسجد موضوع لأمر جماعة المسلمين، فما كان من الأعمال يجمع منفعة الدين وأهله جاز فيه.
سابع عشر: ميراث المصطفى صلى الله عليه وسلم يوزع في مساجد المسلمين:
يورث المصطفى صلى الله عليه وسلم درهمًا ولا دينارًا، ولم يترك قصورًا ولا حدائق ولا بساتين ولا منشات حضارية، وإنما ترك لأبناء الأمة وحيًا سماويًا، وسنة مباركة، فميزنا عن الأمم وشرفنا بها على بقية الشعوب. ترك لنا كتابًا عظيمًا وسنة مطهرة، وتعاليمًا ربانية، وشريعة خالدة لا تختلط بالتراب ولا تدس في الطين، وإنما هي تنزيل من رب العالمين.
هذا الميراث العظيم الذي تركه عليه الصلاة والسلام يقسم في المساجد وحلق العلم والصلوات الخمس وخطب الجمع والدروس والندوات والمحاضرات. والمساجد أنسب الأماكن لهذه المهمة الجليلة خصوصًا عند اجتماع المسلمين للصلاة جماعة في كل يوم خمس مرات، وعدد أكبر يوم الجمعة تلقى عليهم خطبة الجمعة بما فيها من ذكر، وتعاليم دينية، وإرشادات ربانية، وقد كان عليه الصلاة والسلام يعقد مجالس العلم في مسجده، ويتزاحم المسلمون عليها ويتنافسون في القرب من المعلم الجليل صلى الله عليه وسلم، حرصًا على تمام الاستفادة.