عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل أحدكم المساجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) (1) وهاتان الركعتان يسميهما أهل العلم: تحية المسجد. فللمسجد في الإسلام تحية يحيا بها، كما يحيي المسلم أحب حبيب أو أقرب قريب.
وهذه التحية تحية متميزة وليست كغيرها من أنواع التحايا؛ فهي تربي المسلم على أدب إسلامي رفيع، فدخول المسلم إلى المسجد ليس كدخوله إلى مكتب من المكاتب، أو سوق من الأسواق، أو منزل من المنازل، أو شارع من الشوارع، وإنما هو دخول إلى مكان مقدس، وبقعة طاهرة تختلف عن غيرها من الأماكن والبقاع. ولذلك كان من اللائق أن يحيا المسجد بركعتين طيبتين يصليهما المسلم قبل أن يجلس لتكونا -بإذن الله- فاتحة خير وبداية أنس مع الله جل شأنه.
بل إن بعض أهل العلم يذهب إلى وجوب هاتين الركعتين، ويستدل على ذلك بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم أقام رجلًا في أثناء خطبة الجمعة جلس ولم يركع ركعتين وقال له: (قم فصل ركعتين) .
وتُصلى تحية المسجد على الصحيح حتى في أوقات النهي، وكم هو عظيم وجميل أن يبدأ المسلم جلوسه في المسجد بطاعة وقربى إلى الله سبحانه وتعالى؛ ليعلن بهما عن السمع والطاعة والخشوع والخضوع لرب هذا البيت جل جلاله. إضافة إلى أن في هاتين الركعتين قطعًا للحديث بين المصلين وانتظارًا للصلاة في خشوع ووقار وسكينة.
سادس عشر: القرارات العسكرية الخطيرة في حياة الأمة تصدر من المسجد:
كان المسجد في عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم مكانًا لإعلان الحرب على أعداء الله، ولرفع راية الجهاد ولاستنهاض الهمم، وإيقاظ المشاعر، وتحريك القلوب، وبث الحماس في النفوس، كان عليه الصلاة والسلام يعلن البيانات العسكرية من على منبره مباشرة، ولذلك كانت انتصاراتنا هائلة في بدر، وأحد، والفتح، واليرموك، وحطين، وعين جالوت، وغيرها من معارك الإسلام الفاصلة وانتصاراته العظيمة.