أما أصحاب المدرسة العقلية -التي هي إمتداد للمدرسة الاعتزالية- فكل المسائل عندهم خاضعة للاجتهاد -بل وفق أصولهم الاعتزالية الكلامية-، إلا أنهم -بل بعضهم- لا يتجرئون على الكتاب والسنة. - على طريقةٍ خاصةٍ في تأويل النصوص- أما ما عداها فلا يأبئون به، ومن ذلك الإجماع، ومذاهب الصحابة، والمصالح المرسلة وغير ذلك من الأصول لدى أهل السنة والجماعة [1] .
فإن كان الجديع يريد ما عليه أهل السنة والجماعة فدعوته صحيحة، أما إذا كان يريد الآخر وهو الاجتهاد وفق مذهب المدرسة العقلية فلا يوافق عليه، وهو خلاف مذهب أهل السنة والجماعة.
ومن هنا كانت منطلقات الجديع في كتبه الثلاثة ومنها هذا الكتاب، غير منطلقات أهل السنة والجماعة، فمسألة «اللحية» فيها النصوص واردة وصريحة في الأمر ولا صارف لها عن الوجوب، وكذلك ورد الإجماع على ذلك من الصحابة والتابعين كما نقل عنهم -وسيأتي بسط ذلك-، ولكن لم يسع الجديع ذلك، فسلك المسلك المذكور فأوَّل النصوص، وردَّ الإجماع، وكذلك لم يقنع بما نص عليه الأئمة الأربعة [2] - فجميعهم نصوا على العمل بما ورد عن الصحابي الجليل عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- كما سيأتي بيانه.
(1) ... ولذا تجد فتاوى واجتهادات معاصرة من قبل علماء المدرسة العقلية فيها تجاوزات شرعية ومخالفات صريحة للنصوص والإجماع هي من هذا القبيل. لذا أنصح طالب العلم قبل أن ينظر في رأي أو اجتهاد لأحد العلماء أو طلبة العلم أن يعرف منهج هذا العالم، هل هو على منهج أهل السنة والجماعة أو على منهج المدرسة العقلية -التي كثر أصحابها- أو أي مدرسة أخرى تخالف ما عليه أهل السنة والجماعة.
(2) ... بل إن الشافعي -رحمه الله- نصَّ على إقرار مذهب مالك في اللحية، وأن العلماء قد وافقوا مالكًا عليه. (اختلاف مالك والشافعي ص: 254 من كتاب «الأم» الجزء 7) . وهذا النص المهم في المسألة على نفاسته لم يقف عليه الجديع، أو قد يكون وقف عليه وتركه.