تفرد أبو بكر الصديق بصحبة النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الاسلام حتى صارت قريش تطلق عليه وعلى محمد لقب (صاحبك) فاذا قالوا لأحدهما: (إن صاحبك كذا وكذا) لا ينصرف الذهن إلا الى الآخر ! وجاء القرآن شاهدًا ومؤكدًا اذ أطلق هذا اللفظ (صاحبه) مضافا الى النبي - صلى الله عليه وسلم - دون تصريح باسم أبي بكر ولا قرينة لفظية تميزه او تخصصه ، ومع ذلك لم يفهم أحد أو يدّع أن المقصود به أحد غيره !
وما ذلك إلا لأن هذا اللقب او اللفظ قد صار علما على أبي بكر وحده فلا يحتاج معه الى اسمه الصريح أو قرينة أخرى تدل عليه .
كان أبو بكر قبل الاسلام صفيًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصحبه في حله وترحاله لا يفرق بينهما إلا الليل يأوي فيه كل في بيته . واستمرا على هذه الصحبة بعد الاسلام الى يوم وفاته - صلى الله عليه وسلم - ، ثم استمرا متجاورين بعد مماتهما الى اليوم !
تأمل ماذا قالت قريش لأبي بكر يوم ان صدع النبي - صلى الله عليه وسلم - بدعوتهم الى الاسلام قالت: لقد جن (صاحبك) ، وصبيحة الإسراء قالوا له: اسمع الى ما يقول (صاحبك) .
ولما عزم على أن يهاجر قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: على رسلك يا أبا بكر لعل الله يجعل لك (صاحبا) . حتى اذا جاءه ليخبره أن الله قد أذن له في الهجرة قال: (الصحبة) يا رسول الله ! قال - صلى الله عليه وسلم -: (الصحبة) . تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:
ما شعرت قبل ذلك أن أحدًا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي حين أذن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في (صحبته) .
ألا ما أعظم منزلة هذه (الصحبة) منزلة تبكي لها الرجال دموعا ! إنها شرف لم يؤثر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدًا سوى (صاحبه) الذي اختار (صحبته) .
إنها صحبة المصير الواحد في أخطر رحلة وأحرج موقف يخلده الله تعالى قرآنًا يتلى: { إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا } .