مقدمًا أمر الله على أمر نفسه وهواها ، مؤثرًا طاعة الله على ملذات النفس وشهواتها ، ومتع الروح ونزواتها
أقبل على نفسه فزكاها ، وبأمر الله رباها ..
فنهاها عمّا تهواه من معصية خالقه ومولاه ..
فإذا ما ركنت لدنيا فانية ، أو طمعت في نزوة زائلة أو لذة عاجلة ..
أنذرها يوم التلاق ، وتوعدها يوم الحسرة والندامة ، وخوفها مغبَّة تفريطها في يوم القيامة ، وصاح فيها محذرًا ومنذرًا ...
يانفس قد أزف الرحيلُ وأظلّك الخطبُ الجليلُ
فتأهبي يا نفس لا يلعب بك الأملُ الطويلُ
فلتنزلِنَّ بمنزلٍ ينسى الخليلَ به الخليلُ
وليركبنَّ عليك فيهِ من الثرى ثقلٌ ثقيلُ [1]
أشتاق إلى الجنة فسارع في الخيرات ..
وأشفق من النار فالتهى بها عن الشهوات ..
وترقَّب الموت ، وترفَّع عن اللذات ..
وزهد في الدنيا فهانت عليه المصيبات ..
احتاج الناس إلى علمه وفضله ودينه ، واستغنى هو عن دنياهم ، فشتَّان بين مشرِّقٍ ومغرِّب !
فالناس في شغل بأنفسهم وأولادهم وأزواجهم وحياتهم وهو في شغل بربه وخالقه ، كيف السبيل إلى رضاه ؟! وإدراك محبته والقرب منه ؟!
فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب
إذا صحَّ منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب [2]
وإذا أشتغل الناس بعيوب غيرهم ، أشتغل هو بعيوب نفسه، فأقبل عليها مراقبًا ومحاسبًا ومؤدبًا ومهذبًا .
المرء إن كان عاقلًا ورعًا أشغله عن عيوبه وَرَعُهُ
كما السقيم المريض يشغله عن وجع الناس كلهم وَجَعُه
وإذا بنوا الدور وتنافسوا في القصور ، بنى بالعمل الصالح قبره ، وأستعد ليوم بعثه ونشره ، وتزود من الباقيات الصالحات ليوم قيامته وحشره .. فتراه قد خرج بقلبه من الدنيا قبل أن يُخرج بروحه وبدنه منها ..
ما زال يلهج بالرحيل وذِكره حتى أناخ ببابه الجمَّالُ
فأصابه متيقظًا مُتشمِّرًا ذا أُهبةٍ لم تلهه الآمالُ
(1) أبو العتاهية .
(2) أبو فراس الحمداني .