والله لو منعوني عقال بعير كانوا يُؤدُّنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لحاربتُهم على منعِه .
وعادت الخلائق بالموقف الحازم ، والسيف الصارم إلى عبادة الربِّ الخالق .
فعاد المعاتب داعيًا ، واللائم شاكرًا ، وعُرف لأهل الفضل فضلهم ، وهل خلقت المكارم إلاَّ لهم !
قال عمر رضي الله عنه: لو أطاعنا أبو بكرٍ لكفرنا !
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: لقد قُمنا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مقامًا كِدنا نهلك فيه ، لولا أن منَّ الله علينا بأبي بكر .
ثُمَّ انظر ـ لا أراك الله إلاّ خيرًا ـ إلى إمام السنة ، وقامع البدعة ؛ أحمد بن حنبل !
خوَّفوه العيون والسجون ، فما لان !
أرهبوه بالأنكال والأغلال ، فما استكان !
هددوه بالتضييق في الأرزاق ، وبتشويه السمعة والأخلاق ، فما خضع !
رغبوه بالدنيا تمد بوصلها إليه ،وتوضع بين يديه ، فما طمع !
فلك الله يا أحمد !
يوم عشت للدين القويم ، ونسيت نفسك !
قال المروذي: قلت لأبي عبد الله وهو يفتن: إن الله تعالى يقول: { ولا تقتلوا أنفسكم} [1] . فقال: يامروذي: اخرج وانظر . فخرجت إلى رحبة دار الخلافة ، فرأيتُ خلقًا لا يحصيهم إلاَّ الله ، والصحف في أيديهم ، والأقلام والمحابر . فقال لهم المروذي: ماذا تعملون ؟ قالوا: ننظر ما يقول أحمد ، فنكتبه . فدخل فأخبره . فقال: يا مروذي ! أُضِلُّ هؤلاء كلَّهم ؟! [2]
لا يا أحمد ..لا !
لا تجبهم ، ولا تركن إليهم .
أنت لست كغيرك ! أنت في الناس رأس ! وفي الأمَّة إمام ! وفي القالب قلب !
فاثبت ! أُثبت ! ولينصرك الربّ !
تصبَّر ففي اللأواء قد يحمد الصبرُ ولولا صروف الدهر لم يُعرف الحرُّ [3]
(1) النساء: 29 .
(2) سير أعلام النبلاء ـ الذهبي (11/ 254) .
(3) إبراهيم بن عبد الرحمن السؤالاتي .