قال أبو جعفر الأنباري: لما حُمِلَ أحمد إلى المأمون ، أُخبرت ، فعبرتُ الفراتَ ، فإذا هو جالس ، فسلمتُ عليه ، فقال: يا أبا جعفر ، تَعَنَّيتَ . فقلتُ: يا هذا أنت اليومَ رأسٌ ، والناسُ يقتدون بك ، فوالله لئن أجبتَ إلى خلق القرآن ، لَيُجِيبَنَّ خلقٌ ، وإن لم تُجب ، ليمتَنِعَنَّ خلقٌ من الناس كثير . ومع هذا فإنَّ الرجل إن لم يقتُلكَ فإنك تموتُ ، لا بدَّ من الموت ، فاتق الله ولا تجب . فجعل أحمد يبكي ، ويقول: ما شاء الله . [1]
أُركِبوه على البغال ، وقيدوه بالأغلال ، وطافوا به في الأسواق ، وعزروه وأهانوه ، حبسوه ، وجلدوه ، وضربوه ، بل وداسوا عليه بالنعال !
فحسبك الله فيمن تعدي عليك وظلمك !
أليس الله هو المرتجى ، وإليه الملتجأ ؟!
بلى ! { أليس الله بكافٍ عبده ، ويخوفونك بالذين من دونه }
وبقي موقف أحمد ، وثبات أحمد !
وذهب أهل البدعة والخرافة إلى حيث ألقت برحلها أم قشعم !
وسجل التاريخ ثبات أحمد بن حنبل بمداد من نور في كتاب الأمجاد ، وألقى بأهل الزيغ والفساد ،في مزبلة التاريخ ملطخين بثوب الذلة والصغار إلى يوم يبعثون !
أضحى ابن حنبَلَ مِحنةً مرضِيَّةً وبِحُبِّ أحمدَ يُعرفُ المُتنسِّكُ
وإذا رأيتَ لأحمدٍ مُتنقِّصًا فاعلم بأنَّ سُتورَهُ ستُهتَّكُ [2]
وفي ذلك عزاء لمن على شاكلته ، ومن يحمل همًّا كهمه ، وقضيّة كقضيته !
فالمؤمن كالنخلة كلما قُطِّعت أطرافها ، صعدت إلى فوق ، فجذرها في الثرى وهامتها في الثريا !
الخاتمة
فهيّا أُخيَّ: شمِّر عن ساعد الجد ، واكشف عن قدم العزم ، وامض راشدًا في مجالات الخير ، فالمؤمل فيك أكبر ، والمرجو منك أكثر !
وليس الأمر بالعسير ، ولا الجِدُّ الخطير ..
إنما يحتاجُ إلى عزيمة ماضية ، وهمَّة عالية ، ومبادرة دون تردد ، ومثابرة بغير تقهقر ، ومبادأة دون تأخر ..
(1) سير أعلام النبلاء ـ الذهبي (11/238) .
(2) محمد بن عبد الله بن طاهر .