قال: قلت: أرأيتم إن أتيتكم من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ينقض قولكم هذا ، أترجعون ؟ قالوا: وما لنا لا نرجع ؟
قلت: أما قولكم حكَّم الرجال في أمر الله ، فإن الله عز وجل قال في كتابه: { ياأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ، ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم } [1] وقال في المرأة وزوجها: { وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها } [2] فصيَّر الله تعالى ذلك إلى حكم الرجال ، فنشدتكم الله أتعلمون حكم الرجال في دماء المسلمين وفي إصلاح ذات بينهم أفضل أو في دم أرنب ثمنه ربع درهم وفي بُضعِ امرأة ؟ قالوا: بلى ، هذا أفضل ، قال: أخرجتُ من هذه ؟ قالوا: نعم ؟
قال: وأما قولكم: قاتل فلم يسب ولم يغنم أفتسبون أمَّكم عائشة رضي الله عنها ؟ فإن قلتم: نسبيها فنستحل منها ما نستحل من غيرها فقد كفرتم ، وإن قلتم: ليست بأمِّنا فقد كفرتم ، فأنتم ترددُّون بي ضلالتين ، أخرجتُ من هذه ؟ قالوا: بلى !
قال: وأما قولكم: محا نفسه من أمير المؤمنين فأنا آتيكم بمن ترضون ، إن نبي الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية حين صالح أبا سفيان وسهيل بن عمرو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اكتب يا عليَّ: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله ..."فقال أبو سفيان وسهيل بن عمرو: ما نعلم أنك رسول الله ، ولو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اللهم إنك تعلم أني رسولك ، امح يا علي ، واكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله وأبو سفيان وسهيل بن عمرو".
قال ابن عباس رضي الله عنهما: فرجع منهم ـ أي الخوارج الذين جادلهم ـ ألفان ، وبقي بقيَّتهم فخرجوا فقُتلوا أجمعين . [3]
(1) المائدة: 95 .
(2) النساء: 35 .
(3) جامع بيان العلم وفضله ـ ابن عبد البر (2/964) .