قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: لما اجتمعت الحرورية ـ وهم طائفة من الخارج المبتدعة ، وينسبون إلى حروراء موضع في الكوفة ـ يخرجون على عليٍّ رضي الله عنه ، قال: جعل يأتيه الرجل يقول: يا أمير المؤمنين ! القوم خارجون عليك ، قال: دعهم حتى يخرجوا ، فلما كان ذات يومٍ ، قلت: يا أمير المؤمنين ! أبرِد بالصلاة فلا تفُتني حتى آتي القوم ، قال: فدخلتُ عليهم وهم قائلون ، فإذا هُم مُسهمة وجوههم من السَّهر قد أثَّر السجود في جباههم ، كأن أيديهم ثفن الإبل ، عليهم قمص مرحضة ، فقالوا: ما جاء بك يا ابن عباس ؟ وما هذه الحُلَّة عليك ؟
قال: قلتُ: ما تعيبون من هذه ؟ فلقد رأيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن ما يكون من الثياب اليمنيه ، قال: ثم قرأت هذه الآية: { قل من حرَّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق } [1]
فقالوا: ما جاء بك ؟ قلت: جئتكم من عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس فيكم منهم أحد ، ومن عند ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعليهم نزل القرآن ، وهم أعلم بتأويله ، جئت لأبلغكم عنهم وأبلغهم عنكم .
فقال بعضهم: لا تخاصموا قريشًا فإن الله تعالى يقول: { بل هم قوم خصمون } [2] فقال: بعضهم: بلى ! فلنكلمنَّه ، قال: فكلمني منهم رجلان أو ثلاثة .
قال: قلت: ماذا نقمتم عليه ؟ قالوا: ثلاثًا ، فقلتُ: ما هنَّ ؟ قالوا: حكَّم الرجال في أمر الله ، وقال الله عز وجل: { إنِ الحكمُ إلاَّ لله } [3]
قال: قلت: هذه واحدة ، وماذا أيضًا ؟ قالوا: فإنه قاتل فلم يسب ولم يغنم ؛ فلئن كانوا مؤمنين ما حلَّ قتالهم ، ولئن كانوا كافرين لقد حلَّ قتالهم وسباهم .
قال: قلتُ: وماذا أيضًا ؟ قالوا: ومحا نفسه من أمير المؤمنين ، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين .
(1) الأعراف: 32 .
(2) الزخرف: 58 .
(3) الأنعام: 57 .