فإن أكلوا لحمي وفرتُ لحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم وإن هم هووا غيي هويت لهم رشدا
وإن بادهوني بالعداوة لم أكن أبادههم إلاَّ بما يثبتُ الرشدا
وإن قطعوا مني الأواصرَ ضلةً وصلت لهم مني المحبة والودا
ولا أحمل الحقدَ القديم عليهمُ وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
لهم جل مالي إن تتابع لي غنى وإن قلَّ مالي لم أكلفهم رفدا
وإني لعبد الضيف ما دام ثاويًا وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا [1]
والرجل المائة: جيرانه منه في راحةٍ وسعادةٍ ، وأنسٍ ومسرَّةٍ ، وأمنٍ وأمان .
فهو يحنو عليهم ، ويمد بوصله إليهم ، يخلفهم في أهلهم بخير إذا غابوا ، ويعينهم على نوائب دهرهم إذا دهتهم بليَّة ، أو أصابتهم قضيَّة !
لِتُعنَ بالجار قبل الدار تسكنها ولا خير في الدار ما لم يحمد الجار
الجار إن غبت عن أهل وعن وطن نِعم الخليفة هم أهل وأنصار
فهو يشاركهم في طعامه وشرابه ، ويؤانسهم بلذيذ كلامه وجميل خطابه ..ويجمعهم ليؤلف بينهم ، ويوحد صفهم ، ويجمع كلمتهم ، ويلم شتاتهم ..وبه تغلو الديار وتكرم !
يلومونني إن بعتُ بالرخص منزلي ولم يعلموا جارًا هُناك يُنغصُ
فقلت لهم كفوا الملام فإنما بجيرانها تغلو الديارُ وترخصُ
كان للإمام أبي حنيفة جار إسكافي ـ خرّاز ـ يعمل نهاره أجمع ، حتى إذا جنَّه الليل ، رجع إلى منزله وقد حمل لحمًا ، فطبخه أو سمكةً فشواها ، ثمَّ لا يزال يشرب [ الخمر ] حتى إذا دبَّ الشراب فيه رفع صوته ، وهو يقول:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كرية وسداد ثغر
فلا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم ، وأبو حنيفة يسمع جلبته وهو يصلي الليل ، ففقد صوته ، فسأل عنه ، فقالوا: سجنه الأمير ، فسار إليه أبو حنيفة وشفع له عند الوالي ، فأطلقه وفرَّج عنه .
(1) المقنع الكندي .